لا تحتاج اسرائيل نتنياهو وليبرمان من الاخوان المسلمين الذين حققوا فوزا كاسحا ومؤزرا في الدول العربية، أكثر مما إحتاجته وطلبته وأخذته – الى حد كبير – من حركة \"حماس\"، فرعهم في فلسطين، من تطمينات وتهدئات والتزامات واستعدادات ورسائل بالعربية الدينية او الانجليزية الامريكية. وهما في الحقيقة لغة واحدة تقريبا مترجمة، إذ ان السيدة كونداليزا رايس كانت وهي تطالب الاعراب ان يغيروا مناهج التعليم، قالوا لها هذا قرآن كريم، لا نستطيع تغييره، فقالت لمدراء اجهزة مخابراتهم، لديكم قرآنان، نريد الاول لا الثاني (الاول الذي نزل في مكة، والثاني الذي نزل في المدينة).
وبدأت الامور تتضح شيئا فشيئا، فالقاعدة على سبيل المثال شيء، وجماعة الاخوان شيء آخر، والتحريريين شيء ثالث والسلفيين رابع ...الخ، وعندما خرج الغنوشي الذي فاز في انتخابات تونس ليقول قبيل الانتخابات ان حركته لن تفرض الحجاب ولن تمنع البيكيني ولا بيع الخمر، فإن هذا بدون ادنى شك سيعرضه لما هو أشد من الرفض والتعزير من قبل الظواهري، لكنه أردف بعيد الانتخابات بأن امريكا ليست الشيطان وأنه لن يحارب اسرائيل. وهو تقريبا نفس التحصيل الحاصل في مصر، وهذا ليس هو القاسم المشترك الوحيد بينهما، بل ان كليهما لم يشاركا في الثورات التي اندلعت وجاءت بهم الى السلطة لاحقا.
ولأن الحديث يدور عن احزاب سياسية أكثر منها دينية، فإن الذي يهمنا من كل ذلك هو موضوع المواضيع وما أطلقت عليه انظمة الحكم العربية عبر القرن الماضي \"قضية العرب الاولى\" فانتهت الى ما انتهت عليه، سالمنا اسرائيل واعترفنا بشرعيتها على انقاضنا، دون ان نحصل حتى على حكم ذاتي محدود، صحيح ان سلطة الضفة تعتبر حالها دولة، وكذلك سلطة غزة، فإن قوى الاسلام السياسي بدأت بدورها من نفس اللازمة: فلسطين ارض وقف، ومن البحر الى النهر، ومعراج النبي، والجهاد سنام الدين.
ولهذا رفعت امريكا حظرها عن الجماعات الاخوانية وابدت استعدادها للتعاطي معها في حالة فوزها، وكانت كلمة كلينتون ما بعد فوزهم انها تحضهم على الحريات واتفاقيات السلام، أتفاقية كامب ديفيد طبعا، والتي ناهضوها على مدار عمرها وقتل السادات عند مذبحها.
وإذا ما سلمنا ان الاخوان هذه المرة هم الذين يريدون السلام مع اسرائيل فيحمونها كما تحميهم، على حساب فلسطين، فإن في فلسطين شعبها الذي تلمس الخير في التخلص من أنظمة باعت نفسها لأعدائها، ما انفك يناضل ويقاوم ويجاهد منذ قرن تقريبا دون ان ينحني ودون ان يكله ويفله هذا البطش الاحتلالي حتى اصبح النضال جزءا من مكونات شخصيته. ولن يكون الاسلام السياسي الامريكي كحاكم جديد لهذه الامة عائقا يحول دون استكمال مسيرته في التحررين الوطني والاجتماعي على حد سواء.