برعت قطر على مدار العشرين عام الفائتة في مد الجسور الطويلة وفتح الابواب العريضة لما يتفق على تسميته خارطة العالم العربي الجديد (التعامل مع اسرائيل ككيان عضوي ضمن العالم العربي الجغرافي والسياسي). فكانت السباقة في فتح ممثلية رسمية لها في تل ابيب، واطلاق قناة عربية اخبارية منفتحة على الرأي الاخر، واقامت علاقات تجارية صريحة مع الدولة الاسرائيلية، واستثمرت في العقارات على امتداد ساحل البحر الابيض (من شماله لجنوبه)، وجلبت العديد من الفعاليات العالمية التي برز فيها اهمية اشراك اسرائيل ان كانت هذه الفعاليات على الصعيد الرياضي او الفني او العلمي. هذا ناهيك عن السماح لمواطنيها بزيارة الدولة الخارجة عن القانون –اسرائيل- بسياراتهم الفاخرة والتجول وبدون ادنى خجل في حارات فلسطين القديمة كسائحين لا علاقة او امتداد لهم بالمكان والزمان، و و و الخ....
كما واستحدثت قطر لنفسها اهم الادوار هذا العام ولعبته وما تزال تلعبه بالقليل من البراعة والكثير من المال. ويكمن دور قطر الجديد هذا في قيادة الثورات المضادة وتقزيم دور الحراك الاهلي واجهاض المحاولات المختلفة لخلق واقع عربي جديد وحقيقي طامح للعدالة والكرامة. فرأيناها تتخلى عن شباب مصر وتونس لصالح الحركة الاسلامية المتصالحة مع معاهدة كامب ديفيد، وتتامر على احرار اليمن لابقاء سلطة الحزب الحاكم القامع لشعبه، وتهلل لحراك سوريا من منطلق طائفي، وتتكتم على ما يجري في البحرين، وتضرب كلما يحلو لها بفلسطين.... والامثلة والوقائع كثيرة لا حصر لها على كثرها.
ومن اخر واكثر الاساليب خباثة في لعب دورها كان تقديم قطر لخارطة فلسطين الجديدة في دورة الالعاب العربية لسنة 2011.
في الحقيقة خارطة فلسطين القطرية لا جديد فيها. فمنذ ان تم التوقيع على اتفاقية اوسلو اخذت جغرافيا فلسطين شكلا جديدا ومشابها ان لم يكن مطابقا تماما لما عرضته قطر. فليس بالسر ولكن باعلان واحتفال متلفز شاهده الملايين وقعت منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة بقائدها ياسر عرفات معاهدة \"سلام\" تقضي بالتنازل عن فلسطين التاريخية وتقبل باقل من 22% من الارض الاصلية، ضاربة بعرض الحائط احلام الملايين وتضحياتهم ومتجاوزة ابسط المعاني والحقائق (رسم الخارطة كمثل) التي قد يحدثها واحدثها مثل هكذا اتفاق. وعليه لا ارى (ارى ولكني اتحدى) سبب كل هذا الضجيج والغضب المنصب على دولة قطر في حين ليس من ينتقد السلطة الفلسطينية (احذف كلمة وطنية عن قصد).
ارى انه حري علينا ان نحتد ونغضب على الموقف الفلسطيني اتجاه خارطة فلسطين الجديدة اكثر بكثير من ان نصب غضبنا على قطر. كل ما فعلته قطر (اود ان اكون ساذجة) هو تطبيق نظري وعملي لما تقوم به السلطة الفلسطينية من جهة وحماس وفتح من جهة اخرى. وللتاكيد على ذلك، عرضت قطر هذه الخريطة بحضور رئيس السلطة الفلسطينية ولم نسمع له اعتراض ولم نرى انسحاب للوفد الرسمي او سحب للوفد الرياضي الممثل لفلسطين (اضعف الايمان).
في الحقيقة لقد تاخرت قطروغيرها من المدافعين عن اتفاقات \"السلام\" في طرح هذه الخريطة لاستهلاك الجماهير.
عشرون عام والموقف القطري ثابت وواضح ولم يعد مفاجىء. ولكن ما يثير الاهتمام وما يستدعي البحث الحقيقي هو مواقف من ينتقدون قطر واتباعها بمكيال ويتعاملون معهم بمكايل.