قبل بضعة أشهر، سأل واحد من الناس، المرشح الأوفر حظاً للانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري \"نيوت غينغرتش\" عن صحته فيما هو يدخل سن السبعين؛ فرد بصفاقة: \"إن الله يريدني دُباً وليس ظبياً\". هو نصاب متلطٍ بالدين، كثير الترديد للفظ الجلالة ولمفردات قيم السماء. يركب موجة الصحوة الدينية المسيحية، وإن سُئل عن براهين صدقيته الأخلاقية وشواهدها، فيما ثلاث نساء من مطلقاته، يجزمن بأنه خائن ولا ضمير له؛ يجيب من فوره قائلاً:\"يتعذر على المرء أن يفي بشىء، دون التماس رحمة الله وتوفيقه\". غير أن السائل، يعود فيقول إنه لم يفهم منه شيئاً، لأن مرجعيات \"نيوت\" الأخلاقية غامضة، حتى وإن اتخذ لنفسه عدة نصب فعالة، يخادع بها \"ناخبي القيم\"Values Voters أي الذين يدلون بأصواتهم، على أساس مجرد الحديث في عن الطهارة والاستقامة، في خطابات المرشحين. يتملص من الحديث التفصيلي عن القيم المسيحية، مكتفياً بإدانتة للمتعصبين ضد الدين، الذين يعارضون إرشادات الصلوت في المدارس، متجنباً إعطاء أي رأي في مسائل كالإجهاض وزواج المثليين والحقوق الدينية!
* * *
الرجل من أصدقاء نتنياهو، بل من المعجبين به. اشتغل مدرساً للتاريخ والجغرافيا، لكنه أظهر جهلاً ليس بتاريخ المنطقة وحسب، وإنما كذلك بتاريخ إسرائيل وبطبيعة مجتمعها وبما أجمع عليه ألمع رؤساء أقسام التاريخ في الجامعات الإسرائيلية نفسها.
هو رجل عجيب، يفعل الشىء ونقيضه. يذم التوغل الأمريكي في العلمانية ويطلق لذمته العنان لكي تتوغل في الفساد. سجلت لجنة مراقبة السلوك في الكونغرس 84 مخالفة مسلكية وأخلاقية له، أثناء فترة ترؤسه لمجموعة أعضاء الحزب الجمهوري. وكذب على اللجنة ثم اعترف بأنه قال كلاماً خاطئاً وغير جدير بالثقة. دفع غرامة بتصويت الغالبية العظمى من أعضاء الكونغرس، قيمتها 300 ألف دولار. استقال وصار يهذي بدعوات التوجه الى الفضاء للمزيد من الكشوف فيه، بدلاً من تعميق العلمانية على الأرض، وركز على مسألة العناية بالديناصورات وبالحيوانات المنقرضة. هو ذو حياة مضطربة، اتخذ لنفسه اسماً من اسم زوج أمه لا من أبيه. ومن سوء حظه، أن بعض سقطاته جاءت كفيلة بالإطاحة به في المناظرات، كأن يعلل طلاقه من زوجته الأولى السيدة \"جاكي باتلي\" بأنها أكبر سناً، وأقل جمالاً وشباباً من أن تصبح زوجة لرئيس الولايات المتحدة. ثم إنها مصابة بالسرطان!
وكلما سُئل عن مغامرات نسائية خياية، تحدثت عنها زوجتاه السابقتان، كان يرد بأن هذه ليست عقبة، لأن بيل كلينتون، الأقل منه مهارة، اجتاز هكذا عقبات وهو الراسخ في مهارات التحرش الجنسي. ظل يقول، إن الأهم هو ما يتعلق بعاطفتي حيال هذه البلاد. لم يتردد في تبديل مذهبه الديني والانتقال الى الكاثوليكية. وبالطبع لم يستشر في ذلك صديقه نتنياهو. قال إنه تدرج في الإيمان الكاثوليكي على مر سنوات، مدفوعاً برهاب التحول الأمريكي المتزايد الى العلمانية في الحياة العامة. فـ \"الإيمان في أمريكا يواجه تحدي النخبة الثقافية، التي تحاول خلق أمريكا علمانية مئة بالمئة، وطرد الله من الحياة العامة\" حسب رأيه!
ولكي يعطي إشارة بأن الوجهة التي يتوخاها للولايات المتحدة، ستكون متحررة من السبب الأخير لأخذ الحذر في معالجة القضايا العربية، تبعاً للمصالح النفطية، قال بالحرف الواحد إنه يتطلع الى استغلال أكبر لمصادر البترول الأمريكية \"لكي لا تظل أيدينا مغلولة الى عباءة الملك السعودي\"!
أما منافسه المتأخر عنه حتى الآن، بعدة نقاط، في استطلاعات الحزب الجمهوري، وهو \"ميت رومني\" حاكم ولاية ماساشوتيس السابق؛ فهو عمل أسقفاً لرواق في الكنيسة، مرشداً للمصلين، وحلالاً للمشاكل الاجتماعية بينهم، وموجها للمهتدين من الجذور الآسيوية، وهو أصولي مهتم بالدين وذو خطابة في مسألة الإيمان المسيحي، ويبدو أن هذا هو الذي حدا بالنصاب \"غنغريتش\" لأن يركب موجة الدين، بهدف منازلة \"ميت ريمني\" في ملعبه، والمزاودة عليه. ذلك لأن \"ريمني\" يكرر بأنه لا يرغب في أن يكون انتخابه أو رفضه، على قاعدة الدين، ويتخذ ـ وهو \"الجمهوري\" ـ من مقولة جاءت في خطاب كنيدي (الديمقراطي) في العام 1960 حكمته البليغة:\"لن أضع مذهباً دينياً لأية كنيسة، فوف واجباتي المحضة في المكتب البيضاوي، ولا فوق السلطة السيادية للقانون\". وزاد \"ريمني\" من عنده قائلاً:\"الحرية تستوجب حضور الدين، تماماً مثلما يستلزم الدين وجود الحرية. فالدين والحرية يبقيان معاً أو يندثران معاً\"!
القميء النصاب \"غينغرش\" يجر معه وبعربة الحزب الجمهوري، سجلاً مدنياً بذيئاً من مطلقتين وحكايتين، وتعليلاً نذلاً لتطليق زوجته، وصفيحة دينية فيها ارتداد عن مذهب ودخول مذهب آخر، و84 تهمة مسلكية، وأربع نساء معلومات، يتهمنه بالهجوم عليهن، وجهل بالتاريخ، ورعونة في السياسة، وجفاءً حيال الأصدقاء التقليديين للولايات المتحدة في العالم، وأكاذيب انفضحت ليس لها أول ولا آخر. بالتالي سيكون هو ـ في حال فوزه بتسمية الحزب الجمهوري له ـ عنوان خيبة بليغة لهذا الحزب، الأمر الذي سيعزز فرصة أوباما في إعادة انتخابة!