بين الفينة والاخرى يخرج ضباط الامن الاسرائيليون من الاجهزة المختلفة بتوصيات للقيادة السياسية، تدعوهم فيها لتخفيف الاجراءات المتخذة بحق الفلسطينيين، ومنح تسهيلات من خلال زيادة عدد التصاريح الممنوحة للعمال للعمل في اسرائيل، وتسهيلات اقتصادية من خلال السماح باقامة المزيد من المشاريع الاقتصادية وفتح بعض الطرق في الضفة لتسهيل حركة المواصلات. ويربط ضباط الاجهزة الامنية الاسرائيلية ذلك بـ\"تعزيز\" نفوذ السلطة الوطنية في مواجهة حركة \"حماس\"، وللحؤول دون \"تمكنها\" من السيطرة على الضفة؟!
لا يدري المرء إن كانت مثل هذه التصريحات والتسريبات الامنية الاسرائيلية تستوقف المسؤولين والمراقبين ام لا. لان مثل هذه التصريحات فيها من التحريض على السلطة اكثر مما هي لصالح السلطة، لانها:
اولا توحي وكأن السلطة الوطنية \"أداة امنية\" اسرائيلية، تعمل وفق الاجندة الاسرائيلية! وهذا غير صحيح لا من قريب او بعيد، ولا يعني التنسيق الامني ( وهو احد استحقاقات اتفاقية اوسلو) أن السلطة تعمل لصالح اسرائيل، او تعمل ضد مصالح ابناء الشعب الفلسطيني، بل ان التنسيق القائم يهدف لخدمة ابناء الشعب الفلسطيني، وللتخفيف من معاناتهم، رغم ان الادارة المدنية الاسرائيلية المتربعة في بيت إيل وغيرها من المواقع تقوم بتجاوز الاتفاقات المبرمة، وتحاول فتح خيوط مع كل المواطنين ان امكنها ذلك والجهات المسؤولة دون ضوابط، مع ان الجهة المخولة رسميا بالتنسيق هبي هيئة شؤون الارتباط والتنسيق المدني، بالاضافة الى (DCO) الارتباط العسكري.
ثانيا رغم الخلافات الكبيرة الماثلة في الواقع الفلسطيني بين السلطة الوطنية وفصائل المنظمة وحركة حماس، الناجمة عن الانقلاب الاسود في حزيران /ينويو 2007 ، (التي نتمنى ان تردم قريبا مع مفاعيل المصالحة الوطنية الجارية في القاهرة) إلا ان السلطة الوطنية لا تخشى تمدد \"حماس\" ولا غير \"حماس\"، بل هي معنية بحماية مكتسبات الشعب الفلسطيني، وعدم السماح لاية قوة سياسية بتدمير تلك الانجازات بغض النظر عن اسمها او العنوان الذي تتلطى خلفه. وبالتالي لن تسمح لتعدد السلاح في الاراضي الفلسطينية، والسلاح الوحيد المتواجد، والشرعي، هو سلاح الاجهزة الامنية الرسمية، والهدف منه حماية النظام والوطن والمواطن، وعدم السماح لاسرائيل او غيرها إفتعال معارك وهمية لخطف المكتسبات النسبية والمحدودة التي حققها الشعب في المرحلة الماضية، التي إختطفت معظمها سلطات الاحتلال الاسرائيلية.
ثالثا وفق اتفاقيات اوسلو لا يعتبر إقامة المشاريع الاقتصادية مِنةً من إسرائيل، بل هي حق للسلطة الوطنية بما في ذلك الطرق والانشاءات المدنية المختلفة. كما ان زيادة عدد التصاريح للعمل في اسرائيل، يدخل في صالح اسرائيل اكثر من دخوله في صالح الفلسطينيين، لان اليد العاملة الفلسطينية اولا اكفأ من اليد العاملة الاجنبية المستوردة من دول العالم، وثانيا ارخص، وثالثا تعمل في العمل الاسود، الذي لا يعمل فيه اليهود الاسرائيليون. وحتى بطاقات ال(VIP) المحجوبة عن عدد من القيادات الفلسطينية، ليست ذات شأن هام بالنسبة للفلسطينيين، فضلا عن ان سلطات الاحتلال كان عليها ان ترحل عن الارض الفلسطينية في اعقاب المرحلة الانتقالية في العام 1999، اي ان حرية التحرك من والى الخارج كان يجب ان تكون تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة. غير ان حكومات اسرائيل استباحت اتفاقية اوسلو على هزالها وبؤسها، ولم تبق إلآ النذر اليسير من ما تم الاتفاق عليه بين منظمة التحرير ودولة اسرائيل.
قادة اجهزة الامن الاسرائيليين، إن كانوا معنيين فعلا بخيار السلام، وتعزيز لغة التعايش بين الشعبين على اساس خيار حل الدولتين للشعبين على حدود الرابع من حزيران 1967، فإنهم مطالبون بالضغط على حكومتهم لازالة الاحتلال والخروج من مستنقعه المدمر، والذي لن ينجم عنه سوى استرار العنف. الفلسطينيون لا يريدون تسهيلات مجتزأة ومبتوة وانتقائية وتافهة هنا وهناك، انما يريدون حقوقهم الوطنية كاملة كما هي معروفة لدولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية، يريدون اولا وقف البناء الكامل في المستوطنات المقامة على الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، ووقف كل الاجراءات والانتهاكات وجرائم قطعان المستوطنين، وفتح المؤسسات الفلسطينية في القدس وخاصة بيت الشرق، وازالة كل الحواجز، وفتح الممر الآمن بين الضفة والقطاع، كمقدمة لازالة الاحتلال الاسرائيلي كاملا من الاراضي الفلسطينية بما يسمح باقامة الدولة المستقلة وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين على اساس القرار الدولي 194.
يستطيع ضباط وقادة الاجهزة الامنية التأثير في القرار السياسي الاسرائيلي إن شاؤوا، ولكن يبدو انهم لن يفعلوا، لان غالبيتهم أسرى التربية الايديولوجية العنصرية للصهيونية، واسرى الحسابات المستقبلية لمواقعهم في مراكز القرار السياسي والامني. واكتفائهم بسياسة ذر الرماد في العيون الفلسطينية بطريقة مشوهة، تعني دفع المنطقة والتسوية الى المجهول.