راديو المنار من فلسطين :: اللغــة العربيـة في القـدس بين الازدهار والاندثار..!! بقلم: نبيل حمودة
قوات الاحتلال تعتقل 3 أطفال شمال الخليل       اسرائيل توافق على ادخال 30 مليون لتر سولار قطري الى غزة       أسر في غزة تُودّع الفقر بمشاريع اقتصادية موّلها البنك الإسلامي للتنمية       260 شاحنة لغزة عبر كرم أبو سالم       اجواء صافية وارتفاع درجات الحرارة       ابرز عناوين الصحف الفلسطينية       إستراتيجية الحفاظ على الذات الوطنية..د. ابراهيم ابراش       الاحتلال يزعم:حزب الله يملك شاحنات متنقلة تحمل صواريخ "سام" الروسية       هاآرتس: لغة "الشعارات" الصادرة من الإخوان مطمئنة لنا حتى الآن       فلسطين تسحق ألمانيا بعشرة أهداف مقابل ثلاثة       اسرائيل : تفاوض الغرب مع طهران لن يؤثر يؤثر في قرارنا ضرب "المنشآت النووية الايرانية"       أكثر من‏50‏ مليون مصري يختارون رئيسهم غدًا       مقتل 8 إسرائيليين بحادث سير في طبريا       الكنيست تقر قانون يُشجع الاستيطان بالضفة       بريتنر ينتقد لاعبي بايرن ميونيخ لتقاعسهم في ضربات الجزاء أمام تشيلسي       دي ماتيو سيجدد تعاقده مع تشيلسي لحين إقناع جوارديولا بتولي المسئولية       تسمم غذائي في قاعدة لواء "غولاني" يوقف تدريبات اللواء       لجنة الانتخابات المركزية تصل غزة الأحد القادم       اجواء غائمة جزئيا ودرجات الحرارة حول معدلها العام       تحت ضغط الموت.. ابتسمت الحياة.. عيسى قراقع      

جديد المقالات
 
حالة الطقس

استطلاع الرأي
كيف تقيم الجهود المبذولة لدعم قضية الأسري..؟
<
ليست بالمستوى المطلوب
فاعلة
بحاجة لتكثيف
حكمة اليوم
~ حبل الكذب قصير مهما طال ~



  

قصدت يوماً منزل أحد الأصدقاء لأسلم عليه مهنئاً بعودته سالماً لمدينة القدس بعد زيارة له قام بها لفرنسا أمضى معظمها في مدينة باريس، بدأ مضيفي يحدثني، وأنا ارتشف فنجاناً من القهوة، عن زيارته لباريس، وعن رقي وحسن مجاملة ولطف معاشرة  أهلها، ونظافة وجمال وتلألأ المدينة، لكنه أردف قائلاً بعد أن تنهد متجهاً نحوي وكأنه يخبرني سراً، لكنهم غير مثقفين ومنغلقين في مجتمعهم. 

سألته مستغرباً: وكيف ذلك؟ فأجاب: ما سألت شخصاً عن مكان أو عن شيء ما بالمدينة وأفادني، فهم لا يتحدثون اللغة الانجليزية.

ودهشت من قوله هذا، فسألني لم أنت مدهوش؟ فأجبته: هم يعرفون التحدث باللغة الانجليزية، بل إن معظمهم يجيدونها لكنهم لا يتحدثون إلا بلغتهم الفرنسية، فلغتهم هي بمثابة أمهم ولا يتخاطبون إلا بها، ويعتبرون التخاطب بغيرها في بلدهم اهانة لها ولهم، فهي مصدر فخرهم واعتزازهم وعلى الجميع أن يتحدثوا بها. 

عرفت الدول والشعوب والأمم أهمية اللغة منذ القدم، فهي الأم الحاضنة واللبنة الأولى لكيانهم ووجودهم، وأساس وحدتهم وتاريخهم وحضارتهم، والمرآة التي تعكس تطور ثقافتهم وحياتهم، لذا تقوم الدول والشعوب بالمحافظة على لغتها الوطنية ورعايتها، لضمان استمرارها ونموها وانتشارها وتعميمها وتعليمها للغير لنشر ثقافتهم وتأكيد هويتهم وإبراز تراثهم فلغتهم تسجيل لتاريخهم، وطريقة للتفاهم والتواصل فيما بينهم.

واللغة العربية لا تقل أهمية وغنى عن غيرها من اللغات الأخرى، فهي إحدى اللغات السامية، ولغة خلدها القران، والحديث الشريف، وكانت ولا تزال لغة عقيدة المسلمين وشريعتهم وخطابهم للعالم كافة، وهي لغة عالمية طيعة سلسة جميلة من أقدم اللغات الحية، ذات قيمة حضارية يزيد عمرها عن آلاف السنين ففضلها وتأثيرها بين على باقي لغات العالم، لذا يعتبرها البعض أم اللغات لقدمها واتساع انتشارها ومرونتها، لغة يتحدث بها أكثر من 300 مليون نسمة، وهي اللغة الرسمية في كل دول العالم العربي، وهي عنوان الأمة العربية، ولغة العقيدة والدين الإسلامي لأكثر من مليار مسلم، والرابطة الأساسية في حياتهم، والجسر الذي يربطهم منذ ما يزيد عن 14 قرناً، اعتمدت كإحدى لغات الأمم المتحدة الرسمية الست، كما أنها لغة طقوس دينية لدى عدد من الكنائس المسيحية، لذا على الناطقين بها الغيرة عليها، لاستعادة شبابها وحيويتها وجمالها وعدم الاستهانة بها.

وتنبه الاحتلال الإسرائيلي ومن قبله الاستعمار الغربي لأهمية اللغة العربية فعمد جاهداً منذ اليوم الأول لاحتلاله للضفة الغربية عام 1967 بوجه عام والقدس بوجه خاص على محاربة اللغة العربية.

ولتحقيق ذلك سعى الاحتلال بعد ضم مدينة القدس باتخاذ الإجراءات والوسائل الإدارية والقانونية بمختلف الأشكال والأنواع الظاهر منها والخفي والحملات الضارية والهدامة لبلبلة اللغة والمتحدثين بها، وتمزيقها والتشكيك فيها لهجرها واندثارها فقام بتعديل قوانين السلطة والقضاء والبلديات والتي أدى تطبيقها إلى توقف العمل بالقوانين السارية قبل الاحتلال، وإلغاء المحاكم، والنظام المالي والإداري، وإغلاق المصارف، وفرض الضرائب، وتطبيق المناهج الإسرائيلية، وأضعاف التعليم  وغيرها من الخطوات التي أدت إلى ربط المقدسيين لا إرادياً بالإجراءات الإدارية والمالية الإسرائيلية وتطبيقها على معظم أمورهم ونواحيهم الحياتية باللغة العبرية، فكان لزاما عليهم تعلم اللغة العبرية، ودفع أبنائهم غصباً لتعلمها في المدارس التابعة للاحتلال، وبالتالي ارتبط المقدسيون قسراً باللغة العبرية لمتابعة وانجاز وتصديق وملاحقة معاملاتهم وشئونهم الحياتية والمعيشية، وهي محاولات لإجبار المقدسيين على التكييف والانصياع لثقافة الاحتلال، واستخدام لغته وإخضاعه للتعامل وفق أساليب حياته لاستيعاب العرب ودمجهم مع مبادئه وقيمه الاحتلالية، الأمر الذي يعني الموت البطيء للغة العربية.

فمحاربة اللغة العربية والاستهانة بها وإضعافها معاول تنخر الأسس الروحية والفكرية للمقدسيين، بل لتحطيم مقومات وحدتهم اللغوية ونهضتهم ودعائم حضارتهم وتراثهم، وتمزيق حياتهم الاجتماعية  فالحملة على اللغة العربية حملة تستهدف النيل من المقدسيين للابتعاد عن دينهم ، والتفريط بتقاليدهم، وإفقادهم هويتهم وشخصيتهم، بل والقضاء على فكرهم وانتمائتهم وبقائهم، فاللغة العربية بالإضافة إلى أنها قوام حياتهم الروحية والسياسية والاقتصادية ووعاء أنشطتهم الثقافية والفكرية هي مظهر من أهم مظاهرهم ومادة وجودهم وترسيخ وجدانهم، ودليل تميزهم عن غيرهم، والرابطة التي تربطهم بحبل متين، وتحافظ على هويتهم الذاتية، فهي لغة التفاهم والتخاطب اليومية التي يتعاملون بها في كل لحظة من حياتهم. إن صراع اللغة العربية مع الاحتلال هو من اخطر الصراعات التي يواجهها المقدسيون، فهو ليس بأقل خطورة من الصراع السياسي والاقتصادي الذي يواجهونه، إلا انه صراع صامت بلا ضجيج مزعج لكنه مستمر لا ينتهي، لذا على الجميع أن يتماسكوا ويهبوا للعمل على إعادة كينونة هذه اللغة وأحيائها من جديد، وعدم التباطؤ في مواجهة أزمتها للنهوض بها ومواجهة الهجمة الشرسة التي تتعرض لها.

وبالرغم من كل هذه الإجراءات والخطوات التعسفية التي يقوم بها الاحتلال، إلا أن الواجب يقتضي أن لا نجعله الشماعة التي نحمل عليها أخطاءنا، فهو لا يتحمل وحده مسئولية هذا التدهور في اللغة العربية وتعليمها بالمدينة، بل أنه تقصير جماعي يتحمل مسئوليته المجتمع المقدسي بأسره \"الأسر والمدارس والجامعات والمؤسسات والمراكز والتجمعات التربوية والفكرية والثقافية والإعلامية\"، والتفكك الاجتماعي والانفلات الذي يمزق النسيج الاجتماعي للمدينة ،  وإلا كيف نفسر ما نسمعه ونشاهده في شوارع المدينة المقدسة التلفظ بكلمات وعبارات سيئة وأقوال بذيئة بلغة وضيعة على ألسنة العديد من شبابنا في كل وقت وأي مكان، تمس بالأخلاق وتقزز النفوس، وتقشعر لها الأبدان. وكيف نفسر انحراف معظم الشباب في عدم استخدام لغتهم، وإدارة الظهر لها، وكأنها أصبحت لغة غريبة بين اللغات الأخرى \"العبرية والانجليزية والفرنسية\" التي يتداولونها، فتلوك ألسنتهم باللحن والأغلاط اللغوية والعامية، ويتخاطبون بإدخال كلمات أجنبية في كلامهم على حساب لغتهم العربية، وجعلوها مقدمة على لغة أبائهم وأجدادهم فتسمع منهم خليطاً من رطانة غريبة متكسرة، وتعريب بعض الألفاظ الأجنبية واستخدامها مع اللغة العربية وكأنها غير منقولة، فكلامهم مزيج من لغات مستهجنة بعد أن هانت عليهم لغتهم، وأصبحت غريبة بين أهلها يخجلون من التخاطب بها ويعتبرون التحدث بها نوعا من التخلف والجمود وتراجع إلى الوراء معتقدين بان ذلك ثقافة مسايرة ومواكبة للتطور والتكنولوجيا،  تتفق مع مقتضيات العصرنة والعولمة التي تعبر عن نفسها بلغات غير العربية ومظهراً لتمدنهم ورقيهم وتحضرهم، وسلوك اجتماعي محبب للغير، وهو اقتناع سيؤدي حتماً إلى هجر هذه اللغة بدلاً من الدفاع عنها  والتفاخر والاعتداد  بها.

وكيف نفسر تفاقم الهوة والابتعاد عن اللغة بقيام العديد من أولياء الأمور بدفع أطفالهم لتعلم لغة أخرى مع لغتهم العربية، والترويج لها والتباهي أمامهم بها وتمجيدها كونها الأكثر تداولا وتحضراً وعالمية، وكذلك تعليمهم في مدارس أجنبية تدرس بلغات وثقافة  أجنبية يتعلمها أبناؤنا فيتحدثون بها على حساب لغتهم العربية وثقافتهم، هذا عدا تأثرهم باحتكاكهم مع الجاليات والسواح غير العرب، ومما يزيد الطين بله الخادمات غير العربيات اللاتي يعملن مربيات لأطفالنا واللواتي يلقن لغاتهم الأعجمية والركيكة لأبنائنا لتشتيت أذهانهم.

وكيف نفسر بتأثر انسياق أصحاب المحلات والمصانع بكتابة يافطات محالهم وإعلانات ومنتجاتهم بلغات غير عربية، وان كتبت بالعربية صاحبتها لغة أخرى، وكأن أصحاب المحلات خجولين من أسماء محلاتهم، أو هي دعوة لجذب السياح الأجانب حتى في الأماكن التي لا يزورنها هذا عدا ما نسمعه من أغاني أجنبية في المحلات، هذه الازدواجية بين اللغة العربية واللغات الأجنبية الأخرى تمثل خطراً يتجاوز الهوية إلى الوجود العربي، فهي دعوات وقشور للتظاهر ولفت الانتباه بعيداً عن الجوهر.

وكيف نفسر استخدام المطاعم و الفنادق أوراقا وقوائم مكتوبة باللغة الأجنبية وألفاظا دخيلة على العربية فيها وأصوات ألاغاني والموسيقى الأجنبية  فتشعر بأنك تنسلخ عن مجتمعك، وبمدى تهاون أصحاب هذه الأماكن باستخدام اللغة العربية، الأمر الذي سيفضي إلى طمسها وضياعها واندثارها \"فان عدم احترام  وتوقير واهانة الأمم للغاتها احتقار واهانة  لهم\". لا مانع من تعلم اللغات الأجنبية والمخاطبة والتحدث بها مع الناطقين بهذه اللغات لوقت الضرورة والحاجة لكن ليس على حساب لغتنا التي ينبغي أن نوقرها ونجلها ونحميها.

وكيف نفسر ما نسمعه أحياناً في بعض المسارح والأفلام من استخدام ألفاظا عربية لإثارة السخرية والتهكم على مفرداتها، في البرامج الهزلية والترفيهية وكذلك الأخطاء اللغوية والنحوية وتفشي الثنائية باستخدام اللغة العامية والألفاظ الهزيلة لبعض الخطباء والمحاورين في المؤتمرات والندوات، وبعض المذيعين ومقدمي البرامج في الإذاعات والتلفزيونات الناطقة باللغة العربية ناهيك عن قنوات الفضاء الأجنبية التي تهدف لأضعاف اللغة العربية، وغيرها مما نشاهده من أفلام ومسلسلات ومشاهد أجنبية مترجمة بلغة ركيكة ، وأغاني أجنبية في الأعراس، وسيارات الأجرة.

أخيراً كيف نفسر النظرة الاجتماعية المجحفة لمعلمي اللغة العربية، وتعيين بعض إدارات المدارس لمعلمين غير مختصين  أو مؤهلين لتدريس اللغة لاستهانتهم بها مما يؤدي إلى أضعافها، ناهيك عن انتشار المدارس الأجنبية التي تدرس لغات بلدانها على حساب العربية وعدم إعطاء اللغة العربية حقها ، ضعف مناهج تدريسها صعبة ومعقدة، لذا فعلى المعلمين تدريس اللغة العربية بعربية سليمة والاعتناء بها بحثاً وفهماً وتدريباً وتشويقاً، وإلا فعلى اللغة السلام وما خفي كان أعظم.

أمام هذه الهجمة الاحتلالية للهيمنة على اللغة العربية بالقدس، وزج وتزاحم وزحف اللغة العبرية عليها وعلى الناطقين بها، وأمام هذه الاستهانة والاستهتار باللغة العربية البادية للعيان، فإن من أولى الخطوات المطلوبة للمحافظة عليها وتعهدها ورعايتها هو اعتزاز وتفاخر واحترام أبنائها الناطقين بها والغيرة عليها في بيوتهم ومنتدياتهم واجتماعاتهم، وتحديد رؤية مستقبلية لها والتخطيط بأهداف وسياسة برامج عملية واضحة لدعمها ومساندتها بالدراسة والبحث والتدريب وخلافه، وكذلك دور مجامع اللغة العربية والتنسيق بين جهودها لتوحيد المصطلحات العلمية، ودور المراكز ومكاتب التنسيق وجهود الخبراء والفنيين لتحرير التقنية العربية من التبعية للآخر، وإلا فإن ترك الأمر كما هو سيؤدي إلى ضعفها وهوانها وانقراضها كما تنبأ بذلك تقرير اليونسكو  لعام 2006 م لا سمح الله.

* الكاتب يعمل في قطاع الأعمال ويقيم في مدينة القدس. - nabeelhammouda@yahoo.com

 



|المزيد من جديد المقالات..|