هنيئاً لتونس الشقيقة الباهية، وشعبها العروبي الأصيل، عرسهما الديمقراطي الافتتاحي. كل التقدير لأخينا الرئيس منصف المرزوقي الذي تشرفت قبل سنوات، بالتعرف عليه شخصياً، بعد أن عرفته ككاتب في أحد الأعمدة، التي كنت أكتب فيها في صحيفة \"القدس العربي\" الصادرة من لندن. فقد كان د. المرزوقي في خطاب تنصيبه، هو نفسه الذي قابلته في المرة الأولى في باريس، أثناء المشاركة في مؤتمر لجمعيات حقوق الإنسان والجمعيات الخيرية الدولية المساندة لفلسطين. رجل دمث الخلق رقيق العاطفة، مفعم بمشاعر إنسانية عميقة، هي التي لازمته طوال سني الغربة، وظل يحملها الى حين عودته الى تونس الجديدة. فقد كسرت تلك المشاعر خطابه الرصين، الذي ألقاه أمس، أمام المجلس الوطني التأسيسي المنتخب، إذ شارف على البكاء تأسياً على أولئك الشهداء، الذين بذلوا حياتهم من أجل حرية تونس. اختزلت اللحظة، تاريخاً وجدانياً لرجل جعل من وسيلة العمل الديموقراطي السلمي، خياره الوحيد، ونما وعيه على قيمة اللاعنف. كان في الخامسة والعشرين من عمره، عندما فاز في مسابقة عالمية شبابية، رعتها الهند، لوضع أفضل كُتيّب عن حياة المهاتما غاندي، لتدعوه الحكومة الهندية بعدها، الى رحلة في أرجاء البلاد. ففي دراسته للطب، كان لصيقاً لفكرة العلاقة بين هذا التخصص والصحة العامة للناس. بدأ بالطب النفسي وانتهى بطب الأعصاب، معالجاً ومُحاضراً، ومع تفاقم الاستبداد في بلاده وما نما الى علمه عن ممارسات التعذيب، بدأ يكتب عن الآثار النفسية السلبية لهذه الممارسة على المجتمع، ومن موقع الوجع ينافح عن حقوق الإنسان في بلاده. ذاع صيته على هذا الصعيد، ولما اعتقل في العام 1974 تدخل المناضل نيلسون مانديلا لإطلاقه، وجاهد ضد محاولات نظام بن علي إفراغ رابطة حقوق الإنسان التونسية من فحواها، وجعلها وسيلة دعائية لذلك النظام، وكانت النتيجة إخراجه من الرابطة. كان جوابه على الطرد، خوض غمار التحدي بترشيح نفسه، للانتخابات الرئاسية، أمام بن علي في ذات السنة. ومع ارتطام الأمواج العاتية بشخصه، ارتحل مضطراً ليتابع تحصيله ودراساته، ويعمل في التدريس الجامعي في أرقى الجامعات الفرنسية، ويؤسس اللجنة العربية لحقوق الإنسان، التي كان أول رئيس لها.
كانت عودة المرزوقي مع العائدين الى تونس الجديدة، مسكونة بروح وفاقية، عبر عنها في خطاب الأمس، وكان النص الذي تلاه أمام أعضاء المجلس، مشبعاً بخبرة رجل ظل يرتب أحلامه صورة صورة، ويرسم معالم الوطن الذي يتمناه، ويضع الخطوط الفاصلة بين الثورة والفوضى، بين الدولة والاستبداد، بين العمل المؤسسي والارتجال، ويقدم أمام الحاضرين شواهد التزامه بالقواعد الدستورية، ويرسل إشارات التأكيد على العمقين العربي والإسلامي، دون إغفال الحديث عن أولوية الوطن وضرورة التصدي للأزمات بجدية وشفاية، لتوفير فرص الشغل مع مراعاة عدم الارتهان للدائنين. وكان بارعاً في التقليل من الهواجس التي تثيرها الأيديولوجيات، وأكد على ضرورة استكمال أهداف الثورة. لم يقل، في يوم تنصيبه، إن الأهداف قد تحققت، ولم يتغالظ في ألفاظه عن ممارسات العهد السابق وسماها أغلاطاً عانى منها مظلومون ومهجرون كان هو واحداً منهم. وكان طبيعياً أن يُعلي من شأن التعددية في المجتمع، لكي ترى الدولة الناس سواسية، تحمي المنقبة مثلما تحمي السافرة. ولم ينس، في هذه اللحظة الخالدة، أن تونس هي جزء من وطن كبير، وأن الشعب التونسي جزء من أمته العربية.
بوركت تونس الشقيقة، وبورك عهدها الجديد. ولعلها بداية حميدة، حرص فيها المنصف المرزوقي، على أن يُنصف بوضوح وشجاعة، أجزاء أخرى من أمته، ماتزال تكافح ضد الاستبداد. أرسل، بانيابة عن شعبه وجيشه وثورته والقوى السياسية في بلاده، وكلها مكونات فوق شبهات \"الناتو\"وفوق ذمائم الغزاة الذين يجلبهم الطغاة؛ كل التمنيات الطيبة للشعب السوري الشقيق، ولشعب فلسطين المكافح المظلوم، راجياً الله أن يحمي الشعوب من \"جيوش الخارج وجيوش الداخل\". كان النص نظيفاً ناصعاً، كثورة تونس، وقد جعلني هذا المنطق، اشعر شخصياً باعتزاز أكبر، بالأوقات التي جمعتني بالرجل في باريس.
في ذات مساء، كنا ـ الصديق د. كمال الشرافي وأنا ـ نجلس مع المنصف المرزوقي، وعبد الرحمن سوار الذهب، صاحب أول تجربة للزهد العاجل في الحكم، وفتح الباب للخيار الديموقراطي للشعب السوداني، وكانت معنا السيدة البحرينية سبيكة النجار، الناشطة في مجال حقوق الإنسان. كنت مضطراً للكتابة في عين المكان، لأن صفحة الرأي تنتظرني. في ذلك المساء أردتها مقالة خفيفة وسريعة، بدأت على النحو التالي: إنها للحظة ذهبية لامعة، إذ تجلس \"سبيكة\" الى يميني، وسوار الى يساري!
لم أكن أعرف، لحظتئذٍ، أن اللمعان، كان في وجود المنصف المرزوقي في صحبتنا!