المفاوضات التي أجراها وسيجريها الفلسطينيون مع العدو الصهيوني تحت الرعاية الأمريكية تجعل سلوك بعض العرب تجاه التطبيع مع العدو الإسرائيلي أو تزوير تاريخهم وخريطة بلادهم كما فعلت قطر وغيرها أمراً عادياً وغير ذي موضوع.
المرشح الرئاسي الأمريكي عن الحزب الجمهوري نيوت جنجريتش وفي إطار حملته للترشح في انتخابات العام القادم عن الحزب الجمهوري وجد ضالته لكسب أصوات اليهود الأمريكيين وقدراتهم المالية والدعائية في تجهيل شعبنا الفلسطيني ورفض حقوقه الوطنية في أرضه ووطنه ضارباً عرض الحائط كل مصالح بلاد العم سام في بلادنا العربية والإسلامية وب\"شجاعة\" وفرتها له مواقفنا الفلسطينية في الدرجة الأولى ومن ثم العربية وخاصة مواقف الدول العميلة كقطر وغيرها.
الرجل يقول بملء فيه أن الشعب الفلسطيني مختلق أو مصنوع وتم اختراعه وليس له جذور تاريخية في فلسطين وأن فلسطين كانت جزءاً من إمبراطورية آل عثمان ولم تكن يوماً بلداً مستقلاً أو وطناً للفلسطينيين الذين هم جزء من محيطهم العربي وعليهم العيش فيه بعيداً عن فلسطين على حد قوله وهنا مفيد أن نورد النص كما هو حيث يقول: \"لو تذكرنا لم يكن هناك دولة فلسطينية من الأساس. بل هم جزء من الإمبراطورية العثمانية وقد كان لديهم فرصة للذهاب لأكثر من مكان \"...ليس هذا فحسب بل تطاول الرجل أكثر من ذلك حين وصف المفاوضين الفلسطينيين من أجل صنع السلام حتى على الطريقة الأمريكية بالإرهابيين الذين يجب أن ترفض الولايات المتحدة مجرد الجلوس معهم، وأن الكيان الصهيوني من حقه أن يرفض كل مشاريع التسوية مع هؤلاء القتلة والمجرمين...هكذا!
الاعتقاد السائد والمخادع بأن تصريحات المسؤولين الأمريكيين ترتبط بالتنافس على مقعد الرئاسة بواشنطن وأنها تهدف لكسب دعم اللوبي الصهيوني لابد أن تعدل وتوضع في إطارها الصحيح والحقيقي من زاوية العلاقة الإستراتيجية بين الدولة العبرية والولايات المتحدة الأمريكية وعلى مختلف الصعد، وأن ما نسمعه بين الفينة والأخرى ليس نبتاً شيطانياً أو زلة لسان، بل هي منظومة من الأفكار والمعتقدات الدينية والسياسية والثقافية ترجع لنشأة الولايات المتحدة وتطورات حياتها السياسية التي اتسمت بالعنف والتطهير العرقي قبل أن تستقر وتجري فيها التحولات الكبرى التي لم تنه كافة الرواسب والمعتقدات والروابط العنصرية للمؤسسين الأوائل، الأمر الذي يطفو على السطح كلما واجهت أمريكا خطراً أو حراكاً داخلياً ملفتاً كالانتخابات الرئاسية. إن ما تقدم لا ينفي القدرات الدعائية للوبي اليهودي ولا قدراته المالية وتأثيرها الواضح على مجمل السلوك الأمريكي الرسمي والشعبي، واستطراداً مجلسي الكونغرس أفراداً ومجموعات تشكل أغلبية حاضنة للسياسة الصهيونية، ولعنصرية \"إسرائيل\".
إن الرد الفلسطيني الذي جاء على لسان عدد كبير من المسؤولين والكتاب الفلسطينيين لا يخيف أي مسؤول أمريكي، كما أنه لا يعالج الخلل الكبير في مجرى خطنا النضالي أو السياسي ضد العدو وباتجاه تحصيل ولو جزء من حقوقنا الوطنية.
إن التأكيد على الهوية والجذور والانتماء وحقنا في أرضنا بشهادة التاريخ والجغرافيا والوجود فوق ترابنا الوطني بعد ستين عاماً من النكبة أمر جيد، كما أن الغضب الذي قوبلت به تصريحات جنجريتش الصهيوني العنصري يجب أن تتحول إلى فعل وطني جدي يخرج المسألة برمتها من حضن الرعاية الأمريكية، حيث الغريب أن السلطة الفلسطينية ومعظم المسؤولين يعترفون ويؤكدون عدم نزاهة أمريكا أو حياديتها في رعاية المفاوضات وفي كل عملية السلام ثم يذهب هؤلاء صاغرين للجلوس على مائدة المفاوضات تحت ذات الرعاية غير النزيهة ولا العادلة. إن عودة الولايات المتحدة عن حل الدولتين إذا ما نجح هذا المرشح سيكون أمراً محتملاً بل ومرجحاً، وهذا أمر ليس سيئاً كما يعتقد البعض، بل قد يكون فاتحة خير لشعبنا ولوحدتنا الوطنية المفتقدة حتى اللحظة. ليس هذا فحسب، بل قد يكون الموقف الذي يطرحه الرجل وتبنيه من جانب الإدارة الأمريكية منعطفاً ملائماً ومبرراً لتوجهنا نحو الأمم المتحدة وحقنا في المقاومة بكل أشكالها. إن هذه التصريحات المنحرفة ومحاولة تجاهل شعب فلسطين العربي سيجعل العودة عن مسار \"السلام\" الوهمي أسهل، تماماً كالعودة لخيار المواجهة مع العدو لإرغامه على التسليم بحقوقنا كما فعلنا قبل اتفاق أوسلو المشؤوم وبعده.
جنجريتش قرع الجرس لكل من أصيب بالصمم على مدار عقدين من الزمن، فهل سمع المعنيون وفهموا؟ نأمل ذلك ونتمنى أن يجري الرد في مكانه الطبيعي داخل فلسطين المحتلة.