للوهلة الأولى، عندما يدخل واحدنا أياً من مستشفيات مجموعة تابعة لشركة أهلية طبية، كـ \"فورتس\" مثلاً، في العاصمة الهندية دلهي؛ يتملكه إحساس بأن الألمان أو الإنجليز، نقلوا أنموذجهم العلاجي المتقدم، ونظامهم الإداري، وتجهيزاتهم، ونظافة مستشفياتهم، وحماسة العاملين فيها، والتزامهم بأرقى شروط العمل في مهنة الطب ، لكي يسترزقوا في الهند. وربما تكون المستشفيات التي تحمل أسماء لاتينية، والتابعة لمجموعات الرعاية الصحية في القطاع الخاص، هي فروع استثمارية لشركات عالمية، على الرغم من أن الهنود، لا يسلمون أي سوق عندهم للآخرين، ولا يسلمون ذقنهم بسهولة لأي طرف طامع مستكبر. ويصعب أن يسترزق عندهم أحد، اللهم إلا مؤقتاً وفي حال الاضطرار. وسنأتي في سياق آخر، على وضعية وأسباب وشروط استرزاق إسرائيل من الهند، في مجال الصناعات العسكرية المتطورة!
القطاع الخاص والنقابات، تقيم المشافي الممتازة ذات الكفاءة العلاجية العالية، بمبادرات لا تخلو من إحساس عالٍ بالمسؤولية حيال المجتمع. ولعل السلوك البنّاء للقطاع الخاص الوطني، ومستوى فاعلية عمل النقابات، ورؤى هذين القطاعين التي تأخذ في الاعتبار المصالح العليا للبلاد والعباد، هي العلامة الفارقة بين وضعية العجز مع التجرد من المناقبية، ووضعية العمل المنتج والخلاق. ففي البلدان التي تخلو فيها المجتمعات من قطاع خاص وطني رائد، وأعمى ومسكون بغريزة اللهاث وراء الربح بأية شروط (مثلما فعل مستثمرون فلسطينيون عندما رحّلوا أموالهم الى إسرائيل بحجج الاستقرار والضمانات والربحية العالية)؛ عانت الشعوب من نزيف خطير في الكفاءات. فقد أظهرت دراسة شملت خمسة دول إفريقية، أن تلك الدول أنفقت ملياري دولار على تعليم وتدريب أطباء، سرعان ما هاجروا بحثاً عن العمل، فضاعت الأكلاف هباءً، لتزداد البلدان فقراً ومرضاً وإصابة بالعلل المُعدية، أما البلدان المستفيدة، فهي المتقدمة كبريطانيا وكندا وأستراليا والولايات المتحدة. وهذه البلدان الأخيرة، تصطاد الأطباء وتعمل حسابها على أن هؤلاء سيأتونها جاهزين من دول مأزومة. بالتالي إن عدد الأطباء الذين تعلمهم وتدربهم بنفسها، أقل من حاجتها بكثير. ويكون ربحها أكبر من خسارة الدول التي فقدت أبناءها، وفي بعض الحالات ضعف أكلاف خسارة الدولة الفقيرة!
* * *
في فلسطين، لدينا مشكلة نزيفين لا نزيفاً واحداً: الأطباء الذين يغادرون بحثاً عن عمل مُجزٍ، والمال الذي يتبدد في تسديد أكلاف \"العلاج بالخارج\". لدينا ـ كشعب عالي التعليم ـ كفاءات طبية بأعلى مستوى، ولدينا مرضانا، ومقدراتنا ضعيفة، وجهازنا الصحي مهشم، والقطاع الخاص في جزء كبير منه \"أخو فلاّته\" والمبادرات معدومة، والنقابات كلما اقتربت من انتخاباتها، تجمح في داخلها المناطق والعصبيات طلباً لـ \"مقاعد\" هيئاتها الإدارية، ثم ينام الفائزون على مقاعدهم بعد كل مؤتمر!
بتنا في حاجة الى أنموذج هندي من القطاع الخاص، من شاكلة المليادير مالفيندر سينغ، الذي لم يبذل مالاً كثيراً للمضي في مبادرته الى تأسيس مجموعة مستشفيات \"فورتس\" التي باتت تستحوذ على أكبر شركة مختبرات طبية في الهند، وواحدة من أهم المؤسسات المساهمة الطبية في بورصة سنغافورة. وضع الرجل رؤيته، وكانت غايته توفير أرقى رعاية طبية للمواطن الهندي من الطبقة الوسطى، وللإنسان في كل العالم حين يقصد الهند، بأقل الأكلاف على صعيدي الفحوصات المخبرية والعلاج. ابتاع المواطنون أسهم \"فورتس\" وتناسلت المجموعة وزاد عدد المشافي الضخمة ليبلغ 27 في العاصمة دلهي وحدها. ولم تفتقر المشافي لأي جهاز أو آلة كشف وفحص موجودة في مثيلاتها الألمانية، وصارت الطائرات تنقل المرضي من الخارج، للعلاج في \"فورتس\" وغيرها، لا سيما من دول الكلام الكثير والأيديولوجيات، والعمل القليل والتخلف وسواها. وأنصف القطاع الخاص، الطبيب الاستشاري أو الأخصائي، فبات مستغنياً عن طلب الرزق في بلاد أخرى، واستقر الأطباء الممتازون وأساتذة الجامعات في سوق الرعاية الصحية والتعيم الطبي في بلادهم. نحن لا نطمح الى مجاراة الهند أو حتى سريلانكا، وإنما الى وقف النزيفين. فالعنصر المهني الفلسطيني كفء وقادر، بدليل تقدم مشافي فلسطينية تخضع لإدارة الاحتلال، على مثيلاتها الخاضعة لإدارة فلسطينية. والرواتب العالية دُفعت لمستشارين، من خارج معايير الأجور الحكومية، علماً بأن أكثر استشاراتهم جسارة ووضوحاً، كان النُصح بتوظيف أفراد عائلاتهم بالمعايير الخاصة نفسها. والمنظمات غير الحكومية تصرف تحت عناوين تطوير وتنمية من الناحية النظرية، وكل عملها لا يساوي قيمة جناح من مستشفى نبنيه، من شأنه أن يعفينا من أكلاف باهظة للعلاج بالخارج، يخدم ويلبي حاجة جوهرية، ويغطي نفسه بنفسه!
وزير القطاع الطبي الحكومي الاتحادي، أعلن في هذا الأسبوع، عن مأثرة جديدة، قوامها أن تكون الهند الدولة الأولى في العالم، التي تطبق نظام الفحص المخبري والضوئي الاستباقي لجميع مواطنيها، والتركيز على فحوصات أمراض السرطان والقلب والسكر وغيرها. وتتضاعف أهمية هذه الريادة، من كون الهند بلد كثيف السكان يزيد تعداد مواطنيه، عن مليار ومئتي مليون.
المثال الآسيوي أمامنا. ينبغي علينا جميعاً ي العالم العربي وفي فلسطين، أن نعتبر ونحذو حذوهم. فلم تعد الشعوب قادرة على تحمل عجز حكوماتها وانحراف القطاع الخاص وخواء النقابات. والحق في الرعايتين الصحية والاجتماعية، كما الحق في جودة التعليم وفي تخليق المبادرات لإغناء سوق العمل، بات صنو الحياة والاستقرار وهو من ضرورات البقاء والصمود في الأوطان!