النفق المظلم الذي نمر فيه كان ومازال هو من صنع أيدينا ، فأزماتنا في ساحتنا الفلسطينية ما زالت تتزايد ، دون أن تنتهي أية واحدة من الأزمات التي نعيشها ، وكأننا عشقنا الحياة في بحر الأزمات ، وأصبحنا لا نطيق الحياة خارج حدود الأزمات ، بل أكثر من ذلك فإننا نجري خلف الأزمات ونجبرها على أن تسكن بحرنا اللجيّ ، وأننا لنذهب وراء الأزمة أياً كان موطنها ونلقي عليها القبض ونزجها في بحر أزماتنا ، وكأننا ما وجدنا على أرضنا إلا من أجل صنع الأزمات ، فلا أحدٌ منا هو بعيد عن صنع الأزمات ، الفاعل صانع أزمة ، والمفعول به صانع أزمة ، والصامت المتفرج صانع أزمة ، فلا حياد في وجود الأزمة ، أزمة ُ وطن ٍ وشعبٍ وارض ٍ وقضية .
ويوم انطلقت الثورة الفلسطينية استطاعت حركة " فتح " أن تضع الحصان الفلسطيني أمام العربة العربية ، واستطاعت الثورة الفلسطينية أن تلمّ الأمة العربية وتجمعها على موقف ٍ يوحدّها ، واستطاعت الثورة الفلسطينية بذلك أن تخرج الأمة العربية من أكبر أزماتها ، وخاصة بعد نكسة حزيران 1967 وبعد الصمود الفلسطيني الأردني في معركة الكرامة في 21 آذار 1968 ، حيث استطاع الكفاح الفلسطيني أن يوجد المنافسة بين أقطاب الأمة وأصحاب القرار فيها على دعم الشعب العربي الفلسطيني في كفاحه ونضاله ضدّ العدو الصهيوني ، فلم يكن الفلسطيني صانع أزمة بقدر ما كان فاتحاً الأبواب أمام الأنظمة العربية لتخرج من أزماتها الداخلية من البوابة الفلسطينية ، فقد أراد البعض من الأنظمة العربية أن تكون القضية الفلسطينية خشبة الخلاص له من كلّ سلبياته ، وأدرك أصحاب القرار في الثورة الفلسطينية ذلك وعرفوا كيف تكون فلسطين خشبة خلاص للعرب جميعاً ، فإذا بالثورة الفلسطينية تغرد في سماء الوطن العربي كله ، وكلّ العرب ينتظرون صباح كل يوم ليستيقظوا على زقزقة العصفور الفلسطيني ، فلا موسيقا تريح فكر المسئول العربي سوى الموسيقا الفلسطينية التي يعزفها مقاتلو الثورة الفلسطينية ليل نهار على امتداد أرض فلسطين المحتلة من البحر إلى النهر ، كان العربيّ ، أياً كان هذا العربيّ ، حضرياً أم ريفياً ، مثقفاً أم أميّاً ، غنياً أم فقيراً ، كان لا يعرف طعماً للحياة إلا وهو يرى الثورة الفلسطينية تُسجّل انتصاراتها اليومية وهي تمارس العمل النضالي على أرض فلسطين الممتدة من البحر إلى النهر ، والتي لم يكن العربي أياً كان موقعه يسأل عن مكان الفعل النضالي الفلسطيني ، هل هو في الجليل أم في النقب أم في الضفة أم في القطاع أم في الساحل ، فكلّ هذه الأماكن هي أرض فلسطين المحتلة ، لم يكن العربي يسأل هل الصهيوني المستهدف هو عسكري أم مدني ، هو رجلٌ أم امرأة ٌ ، هل هو عجوز أم طفل ، فكلّ هؤلاء الصهاينة كانوا هم عناصر احتلال لفلسطين .
ربما يكون ما تقدم من كلام هو بديهيات عرفناها جميعاً وعايشناها لحظة بلحظة ، وتحملنا حلوها ومرّها ، وما جعلني أُعيدها إلى ذاكرتنا هو ما قلته في البداية بأننا نمر في نفق مظلم هو من صنعنا ، فبدل أن تستمر الثورة الفلسطينية بالشموخ والصعود والخروج من كل حقول الألغام التي مرت بها ، فإذا بها تصنع حقول ألغامها بيدها ، وذلك منذ أن وضعت منظمة التحرير الفلسطينية كل أوراقها في سلة قرارات الشرعية الدولية ،وأصبحت بذلك حبيسة لها لا تستطيع الخروج منها ، بل أنها أخضعت عملها النضالي لقوانين الشرعية الدولية ، هذه الشرعية التي سلبت الحق التاريخي من الشعب الفلسطيني لتمنحه ليهود العالم من أجل إقامة وطن قومي لهم في فلسطين اسمه ( إسرائيل ) ، وبالتالي لم تعد منظمة التحرير الفلسطينية هي خشبة خلاص الأنظمة العربية بقدر ما أصبحت هي أزمة الأنظمة العربية يريد الكلّ التخلص منها .
فقبول منظمة التحرير الفلسطينية بالقرارين 242و 338 ورسائل الاعتراف المتبادلة بينها وبين الكيان الصهيوني، وتخليها عن حقها التاريخي في كامل أرض فلسطين ، جعلها أمام خيارات محدودة على أرض ٍ محددة بالضفة والقطاع ، لأنّ نضالها وكفاحها وعملها المسلح داخل ما يسمى بالخط الأخضر أصبح يوصف بالعمل الإرهابي ، وبذلك تحوّل الفلسطيني من ثائر يسعى لنيل حقه في أرضه التاريخية إلى إرهابي يريد تدمير دولة عضو في هيئة الأمم المتحدة ، وتم التراجع الفلسطيني في كلّ المواقع ، ولم يعدْ يهمّ العالم تمسك الفلسطيني بحقوقه بقدر ما يهمّه أمن وسلامة الكيان الصهيوني ، فضاقت الخيارات أمام الفلسطيني وهو يعيش انتكاسته الخطيرة التي أوجدها الانقسام بين الضفة والقطاع ، ولم يعدْ الفلسطيني يحملً غصن زيتون بيد وبندقية ثائر بيد ، ولم يعدْ يمارس نضالاً سياسياً ، وافتقد كلّ أدوات الصراع ووسائله ، ولم يبق ِ بيده سوى ما أراده العدّو أن يبقى بيده ، ألا وهو التفاوض ، دون أن يكون هذا التفاوض مدعوماً بأي قوة مهما كان نوعها ، بما فيها قوة الوحدة الوطنية الفلسطينية ، فلذلك أزاح الفلسطيني عن كاهله مهمة الحصان التي تقود العربة ، وأصبح هو العربة التي يقودها الحصان العربي ، وهذا ما تمنته بعض الأنظمة العربية بأن يعود الفلسطيني إلى زريبته يعتاش على فتات لا يصل إليه ، بل ليعش أزمته المستعصية ولا يجد لها حلاً مهما استنجد وصاح ، فقد أوصدت الأبواب ، وأغلقت النوافذ ، ومنع الفلسطيني عن نفسه السماء والهواء والماء ، فلا شمسٌ توقظه عند الصباح ، ولا هواءٌ ينعش صدره ، ولا ماء يروي ظمأه ، فالحصار قد فرضه هو على نفسه ، ولا خروج من هذا النفق المظلم سوى صرخة نبي الله يونس في بطن الحوت وهو يناجي ربه ، لا إله إلاً أنت سبحانك إنني كنت من الظالمين ، فقد ظلمنا أنفسنا يوم خرجنا من تاريخنا الفلسطيني واستبدلناه بشرعية دولية سلبتنا كلّ حقوقنا ،وأصبحنا نعيش أزمة وطن وشعب و أرض وقضية ، أزمة وطن في انقسامه ، وأزمة شعب في تناحره ، وأزمة أرض باستيطان العدو لها ، وأزمة قضية بإخراجها من تاريخها ووضعها في سياق أكذوبة الشرعية الدولية ، فمتى نحطم قيودنا بأيدينا ، ونخرج من نفقنا المظلم حاملين مشاعل حقوقنا ، منيرين الدرب للأجيال القادمة حتى يكون خيراً لنا من أن تلعنا أبد الدهر .
salahsubhia@hotmail.com