لم يذرف أي هندي، دمعة واحدة على كيم جونغ إل. وقوبل البكاء الجماعي للكوريين الشمالين، تفجعاً على الراحل كيم، بضحكات هندية مكتومة، مثل تلك التي كتمها محسوبكم، في مجلس عزاء راحل طيب في خان يونس. كان ذاك المرحوم الفلسطيني، عريساً تزوج في الليلة نفسها التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة، وعروسه كانت مطلقة من زوج سابق، أي مجربة. ويبدو أن الرجل، وقد تقدم به السن، لم يأنس في نفسه القدرة على المضاجعة، ولم تكن لديه معرفة بالمنشطات، إذ ظنها نوعاً من الفيتامينات. ابتاع عدة حبات رديئة الصنع، منخفضة الثمن، يُرسم على قفاها صاروخ \"الباتريوت\". وقبل بدء النزال العسير، ابتلع خمسة أقراص، ظنها ستجعله منصة إطلاق، لكنها أردته بعد نحو ساعتين!
في مجلس عزاء الراحل، كان المعزون يفتتحون حديثهم التقليدي مع أبنائه الكبار الذين يتلقون المواساة، فيسألون: هل كان المرحوم مريضاً وما الذي حدث معه؟! فيأتي الجواب: أبداً، كان عريساً في ذات ليلة الوفاة!
* * *
كيم جونغ إل، وحتى اللحظة الأخيرة، كان \"الزعيم المحبوب\" عريس كوريا الشمالية. والهنود يمقتونه لأن إعلامهم يبلغهم دائماً بأن كيم هذا، هو الذي جعل كل المدن الهندية في مرمى صواريخ باكستان. هذا الجفاء، يطوى المرحلة التي كانت فيها الهند حيادية بين الكوريتين، التزاماً بموقف حركة عدم الانحياز. بل هي لم تكن حيادية تماماً، وإنما ظلت طوال سنوات الحرب الباردة، في ايام نهرو، تميل أكثر الى بيونغ يانغ، بحكم التحالف بين سيول وواشنطن، إذ الهنود يميلون الى الاتحاد السوفياتي وسياساته. ومع انتهاء الحرب الباردة، استفاقت الهند بانزعاج، على التعاون العسكري القوي بين كوريا الشمالية وباكستان، على الرغم من أن هذا التعاون، بدأ منذ عقد السبعينيات. ويقول الهنود، أن النقلة الكبيرة في هذا التعاون، بدأت في عهد كيم جونغ إل، بعد وفاة أبيه \"المحبوب\" كيم سونغ إل في العام 1994. ففي سياق تلك النقلة، سخّر أب القنبلة الباكستانية النووية، عبد القدير خان، كل مواهبه ومعرفته التقنية التي يقول يركز الهنود على أنه سرقها من أوروبا الغربية، لمساعدة كوريا الشمالية على تخصيب اليورانيوم، مقابل أن تعطي هذه الأخيرة، لباكستان تقنية الصواريخ المتوسطة المدى. وكان صاروخ \"غواري\" الباكستاني، بمدى 1500 كم هو ثمرة التعاون. ويدرك الهنود، أن الصينيين، هم عرابو التوافق بين باكستان المسلمة وكوريا الشمالية الشيوعية، حتى أن كيم جونغ إل، وصف العلاقة بأنها \"صداقة كل فصول السنة، وهي أقرب من الشفاه الى الأسنان\"!
ولما أمسكت الهند، بسفينة كورية شمالية، تحمل أجزاء من صواريخ ومن ماكيتات ومخططات صواريخ الى باكستان؛ وبالتزامن مع دخول الهند مرحلة الاقتصاد الليبرالي، أصبحت كوريا الجنوبية احدى الدول الرئيسة على صعيد الاستثمارات الأجنبية في الهند، وأقيمت بين البلدين اتفاقية تجارة حرة. وترسخت العلاقات السياسية بين دلهي وسيول، وصولاً الى اتفاقية شراكة استراتيجية في العام الماضي، بدأت معها مرحلة التعاون بين المؤسستين العسكريتين. ودخل البلدان، الى عملية تعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة الذرية. وجاءت القاصمة بين بيونغ يانغ ودلهي، عندما أدانت الهند إغراق كوريا الشمالية لقطعة من أسطول كوريا الجنوبية.
سياسة ردود الأفعال، تعتمدها الدول الكبيرة وذات التراث الثقافي والسياسي الرصين، مثلما تبدى في سلوك الأشخاص البسطاء. فقد بدأ التعاون العسكري الهندي الإسرائيلي، يعمل بوتائر سريعة وكبيرة، وصلت الى حد إقامة مشروعات مشتركة لتصنيع الصواريخ؛ عقب الهجمات الإرهابية الكبيرة في مومبي في العام 2008. دخل الإسرائيليون على الخط، من باب أنهم الأدرى بشعاب \"الإرهاب\" وأساليب مكافحته. وكان التحقيق في الهجمات، قد أفضى الى أن المهاجمين جاؤوا متسللين من باكستان، عن طريق البحر، فعرض الإسرائيليون أنظمة مراقبة من الجو ومن البحر، وطائرات استطلاع، وشبكات الكترونية، وباعوا بالمليارات.
الهنود الآن، في مأتم كيم جونغ إل، يتحدثون في الإعلام عن رجل أوصل شعبه الى المجاعة تلو الأخرى، ويذكرون أن 10% من السكان في عقد التسعينيات، ماتوا جوعاً. ولم يكن ذلك ليحدث، لولا تخصيص النسبة الأعظم، من الدخل الوطني للبلاد، لتطوير الصناعات العسكرية. ويستذكر الهنود، كل القفشات التهكمية The Parody عن الراحل كيم في الثقافة الأمريكية. فهو رجل يؤله نفسه، يُعلي قامته بارتداء أحذية عالية الكعب، ويغطي عينيه بنظارات شمسية فاخرة، ويعاقر الخمر ليلاً ونهاراً، ويخوض في مغامرات نسائية، ويعتمد تسريحة الشعر الهوليودية \"بوفات هيردو\". ولفرط عشقه بالسينما، لديه مكتبة من عشرين ألف شريط، ويركز على أفلام \"جيمس بوند\" وكان يتمنى أن تتطور صناعة السينما في بلاده مثلما تطورت الصواريخ الذرية. يعرف أحداث العالم وخلفياتها، دون أن يرى منه ومنها، إلا ما يراه من نافذة قطاره المترف، أثناء سفره الى الصين. يعيش حياة تتجاوز حياة الأباطرة الأقدمين في بذخها، غير أن شعبه المهدد بالمجاعة تلو الأخرى، يذرف دموع الفرح كلما رآه، كما يذرف ذموعاً مدرارة في يوم رحيلة. لذا يكتم الهنود ضحكاتهم، على بكاء ذوي العريس. فالنكتة تنشأ ـ مثلما كتب عباس العقاد ـ من سعة الفجوة الفارقة، بين ما ينبغي أن يكون، وما يُقال أنه حدث أو قيل!