لا يخفى على أحد منا ما أصاب الجسد الفلسطيني الواحد من أفات وأمراض كبيرة نتيجة الانقسام الفلسطيني كادت أن تودي بفقدان حياته ووجوده، وحتى يتم إعادة المعالجة والشفاء لهذا الجسد، يجب معرفة التشخيص السليم لكل داء ألم بكل عضو من أعضائه حتى يعود أقوى مما كان عليه، ويسترد عافية ومناعة جسدية ضد أي فيروسات ممكن أن تحاول أن تصيبه من جديد.
فالطبيب الجيد هو من يسارع بمعرفة العوامل والأسباب التي أدت لظهور تلك الأعراض المرضية ولا يتسرع في صرف الدواء أو إجراء عمليات جراحية لبتر عضو أو ترميمه.
فالداء الذي أصاب جسد المجتمع الفلسطيني ليس بالهين وليس صعب العلاج، فهناك أعضاء أصيبت بالشلل وبعضها أصيب بدرجة أقل، لذا يجب حرص المعالجين على البدء بالتشخيص السليم وبدء العلاج الصحيح لكل عضو حتى لا يستعجل أخذ الدواء فلا تأتي النتيجة السليمة للشفاء. وهناك أعضاء يجب أن يُسرع في شفائها واسترداد عافيتها كي تعطي التلميح للأعضاء الأخرى بالثقة لبدء استرداد القوة والعودة للعمل وإعطاء الحياة.
من أشد الأعضاء إصابة بسبب الانقسام السياسي ويحتاج للمعالجة السريعة داخل الجسد الفلسطيني الواحد هو إعادة اللحمة والتفاعل المجتمعي وإفراغ المشاعر السلبية من قلوب المواطنين وإنهاء النظرة والتعامل العصبي الحزبي بين الناس، وفرض التكافل والمحبة والمودة وجعلها قيماً وطنية ثابتة لا يُسمح بالتخلي عنها، وأن تُفرض عقوبات قاسية على كل من تُسول له نفسه أن يحاول إدخال أفات جديدة على هذا الجسد الذي عاش طويلاً لا يعاني ألآلام داخلية وكانت ألآلامه من مؤثرات خارجية صهيونية.
إن عملية إعادة البرمجة الذاتية وتعديل السلوك الجمعي، تبدأ من تعديل المفاهيم والأفكار الداخلية، فإن تم فرض قيم وأفكار ومفاهيم جديدة تقوم على توعية المجتمع كله بأهمية الوحدة والتآلف بين أفراد الجسد الواحد، وأن من يقف إلى جانبي أو يجلس إلى جوار مكتبي أو بيته جوار بيتي أو يشاركني العيش في بيتي ليس من بلاد العجم بل هو الأخ والصديق والقريب والجار العزيز الذي يُحرم علي خداعه أو أنظر إليه نظرة عداوة والبغضاء ولا أنظر إليه إلا كأنه ذاتي وجزء من كياني فما يضره يضرني وما يؤلمه يؤلمني وما يسعده يسعدني.
فإن عادت تلك النفسية الذاتية للمجتمع الفلسطيني فستصبح الشخصية القومية المعروفة بين الأمم والتي كنا سابقاً نتمثل بها ومحل أنظار العالم كله وتعلم منها الكثيرين وكنا دوماً نفخر أننا ولدنا من أرحام فلسطينية، عندها سيسهُل كل صعب أمام تحديات تطبيق المصالحة وسيصبح ما كان قاسياً وصعب المنال من السهل أن يلين ويذوب بين يدينا لنحركه كيفما نشاء.
نأمل أن يكون من وراء تلك الابتسامات والتسليمات الحارة لكل من يشارك بالاجتماعات في القاهرة لتحقيق المصالحة أن تكون نابعة من دوافع شعورية ونفسية صادقة تعبر عن الرغبة الحقيقة والإرادة الأكيدة للمسارعة في معالجة الذات الفلسطينية وجمع الشتات الفلسطيني واسترداد قوته.
إن لم نبني أنفسنا معاً من جديد ونعرف عيوبنا ونعمل على علاجها وتحصين أنفسنا من كل من يحاول إهلاك وجودنا وطمس حضارتنا وسرقة هويتنا، سنبقى فريسة سهلة لذاك العدو الذي يتربص بنا ويتسلى في خلافاتنا وتشتتنا وينتظر اللحظة التي يموت جسدنا ولا يخرج أنفاسه لهذا الوجود.