العالم يحسدنا على عيشنا الرغيد في دولتنا.. لأن هذه الدولة فريدة من نوعها.. حققت لسكانها كل ما وعدتهم به.. الرفاه، العيش الكريم، الأمان والاطمئنان، الحرية، العلم والرقي، المساواة والعدل وغيرها الكثير.
وأكثر الفئات المحسودة هي نحن المواطنين العرب أو الأقلية العربية التي بقيت في وطنها. أول ما نحسد عليه أن الدولة الجديدة التي أسمت نفسها دولة عبرية ودولة اليهود قبلت بنا نحن العرب على الترحاب ولم تضايقنا. أعطتنا هوية زرقاء.. أنعمت علينا بالتأمين الوطني فلم يعد الكبير يحتاج للصغير.. وحولتنا الى عمال وموظفين بعدما كنا فلاحين، حيث ارتحنا للحياة الجديدة فتنازلنا عن أراضينا بطيبة خاطر للدولة الفتية التي أحسنت معاملتنا. فتحت لنا المدارس والجامعات.. ولأن أبناءنا لا يقبلون الانتظار بالدور ولا يعجبهم العجب، ترى منهم المئات يتوجهون للتعليم في الجامعات الأردنية أو الجامعة الأمريكية في جنين، والبعض يهوى السفر بالطائرات فتوجه الى الدول الأوروبية الغربية منها والشرقية. ونحن أيضا نتمتع بالديمقراطية في ظل \"واحة الديمقراطية\" الوارفة والواسعة، حيث وجدنا لنا هامشا في هذه الواحة. ولأننا لم نحسن استخدام تلك الديمقراطية لم يكن هناك حاجة لأن يصدروا في الكنيست قوانين وصفت عنصرية كالتي تصدرها الدول الفاشية والديكتاتورية. لم يفرضوا علينا رفع علم الدولة ولم يجبرونا على القسم بالولاء ولم يرغمونا على حساب خطواتنا أينما توجهنا.
وصدقنا أننا نعيش في مساواة فما أن نقرأ مناقصة رسمية لوظيفة في الدولة، حتى نحمل شهاداتنا وثقتنا بأنفسنا ونتقدم لها.. لكن لم نعلم أن \"كرت غوار\" الذي سمعنا أنه ينتشر في الدول المجاورة تسرب الينا خفية وأخذوا يتعاملون به في دولة القانون والمساواة.
بعدما توسعت قرانا منحوها لقب مدينة، وما أكثر مدننا وما أقل مدنيتنا.. شيدنا البيوت العالية، واقتنينا أغلى وأفخر السيارات، وقبل أن ينهي الشاب أو الفتاة تعليمه في المرحلة الثانوية حتى تكون رخصة قيادة السيارة في جيبه أو حقيبتها.. ولأننا نحب أولادنا كثيرا فلا نبخل عليهم بأغلى ما نملك ألا وهي.. السيارة. فالشوارع واسعة ومرتبة وعلى جانبيها الورود والأشجار وتصلح لأن تكون مطارا وليس شارعا، لذا لا يبقى أمام الشباب إلا أن يطيروا بالسيارة، فهل هو ذنبهم؟
سمحوا لنا بأن لا نحمل السلاح في وجه اخوتنا في الخارج، لكنهم فتحوا أمامنا مخازن السلاح لنلعب ونلهو بها في بيوتنا وشوارعنا، ولهذا حل الأمن والأمان، حتى بتنا نشتاق أن نسمع عن حادث سرقة وسطو مسلح، وحرمنا من سماع أزيز الرصاص أو حتى دوي قنبلة يدوية بل استكثروا علينا الصاروخ، ومللنا من حياتنا الروتينية ونحن ننتظر جريمة تقع في مجتمعنا.. لا قتل، لا تهديد، لا خوف، لا قلق.. أي حياة مملة نحياها.
وعندما وفد الينا المهاجرون الروس، رحبنا بهم وأكرمنا وفادتهم، فنحن قوم مضياف، فقد سبق واستقبلنا الهجرات اليهودية وأكرمناها بكرم ضيافتنا الى حد أننا وهبنا القادمين الجدد دولة خاصة بهم، وهم تكرموا علينا بابقاء بضعة ألوف منا، لنحرث ونزرع لهم ولنبني بيوتهم ومؤسساتهم. وما أن حل المهاجرون الروس الجدد بيننا وبهرنا بمستواهم العلمي حتى تنازلنا لهم عن وظائفنا في المستشفيات من ممرضات واطباء ومرافق العمل المختلفة، وأوجدنا للموسيقيين منهم أماكن عمل في معاهدنا الفتية والتي تحتاج الى خبرات عالمية.
وبعد أن شكلوا أحزابا خاصة بهم وصلوا الى الكنيست وبعضهم بفضل أصواتنا ونشاطنا، لاحظوا النعيم الذي نعيش فيه فارتأوا ان يخففوا من هناء عيشنا لئلا نصدم في ساعة لسنا مستعدين لها، فرحمة بنا ورأفة بنعيمنا المترف سنوا القوانين التي تجعلنا لا نكون مواطنين مميزين، انما عاديين أسوة باخوتنا اليهود الذين يعانون الضيق والضنك، ولهذا فكروا أن يحلوا الأزمة من خلال تبادل الأرض والسكان، دون أن يلجأوا الى الترانسفير سيء الصيت.
لو تركت لنفسي أن تنطلق في وصف عيشنا الهني في دولتنا المحروسة، لما اكتفيت بمقال أو كتاب، لأن سعادة 63 سنة لا يمكن اختزالها بمئات الكلمات، والقناعة كنز لا يفنى.