ربما تنشأ الفجوة الأوسع، بين السلفيين في مصر، وحزب \"الحرية والعدالة\"، الأعلى كعباً بمعيار نتائج الانتخابات؛ على قاعدة موقف الأولين من إسرائيل، مقابل عدم قابلية \"الإخوان\" لمنطق هؤلاء، اللزج السائل مجاناً، وبدون نقاش أو اشتراط، حيال موضوع الصهيونية. فظهور هذه الفجوة، من شأنه أن يحرم تيار الإسلام السياسي في مصر، من التوافق على السياسات والتحرك ككتلة موحدة غالبة في مؤسسات الحكم. وليس معنى ذلك أننا نتوقع تشدداً كبيراً في المواقف المستقبلية لحزب \"الحرية والعدالة\" لا سيما وأن الحوار بينهم وبين الأمريكيين يحث الخطى، وهؤلاء، أولاً وأخيراً، طلاب سلطة!
أما في حال مسايرة حزب \"الحرية والعدالة\" وتغاضيه عن موقف \"النور\" السلفي من إسرائيل؛ فإن منظومة قيمية كاملة، لجماعة \"الإخوان المسلمين\" في المنطقة، سوف تتصدع، لأن العنصر الأهم، في الخطاب السياسي لهذه الجماعة، يرتكز على رؤية ايديولوجية قصوى للقضية الفلسطينية، تعتمد المُدركات وترفض ما آلت اليه الأمور، وترى في الغزو الصهيوني لبلادنا شراً مستطيراً. فالقضية الفلسطينية، كانت أحد مداخل \"الإخوان\" الرئيسة الى السياسة. وهي ما تزال هكذا، بالنسبة لحلقات \"الجماعة\" في البلدان الأخرى، حتى أن راشد الغنوشي، مؤسس حزب \"النهضة\" في تونس، وإن أظهر موقفاً خافتاً حيال مسألة فلسطين؛ فإن القضية الفلسطينية كانت مدخله المبكر الى السياسة والكتابة منذ بداية نشاطه الطلابي في شبابه اليافع.
* * *
السلفيون في مصر، استفادوا في الانتخابات من العمل الخيري في مجتمع يعاني من العوز والمرض، وقد نشطوا على صعيدي الصدقات والطبابة، وقدموا الإعانات المالية للأرامل والمطلقات، وللشابات اللاتي التي يفتقرن الى متطلبات الزواج. ومقابل ذلك السخاء مع المرأة، وجهوا الأمور نحو تشددها واعتمادها النقاب، وإفشاء قناعاتهم بضرورة أن تنسحب المرأة من معظم قطاعات سوق العمل. وعندما توجهوا الى ميدان السياسة، الذي لطالما استنكفوا عنه؛ أظهروا عُرياً، ليته كان يتوخى بعض الستر، خصماً مما يغطي وجه المرأة. ففي أدبياتهم، يمقتون الديمقراطية لأنها \"من المحرمات الشرعية\". لذا كان موقفهم الأول من ثورة المصريين واضحاً في رفضه \"الخروج على ولي الأمر المسلم، بصرف النظر عن آثامه\"، وعلى الرغم من ذلك سارعوا الى الاستفادة من الأيقونتين، الديموقراطية الثورة، وقالوا عندما شكلوا حزبهم في حزيران (يونيو) من هذا العام؛ إن الضرورات تبيح المحظورات، ولديهم ضرورة ملخصها أن يحموا هوية مصر الإسلامية، وكأن هوية مصر الإسلامية مُحيت أو أن \"الإخوان\" سيساعدون في محوها، أو كأن حتى جمال عبد الناصر، فرّط في هذه الهوية، وهو الذي غطى تجمعات الكثافة السكانية في إفريقيا وآسيا، بمبتعثي الأزهر الشريف، للتأكيد على هوية الآخرين الإسلامية، فضلاً عن هوية مصر. ويعتقد هؤلاء السلفيون، بحرمة العمل في الكثير من مؤسسات الدولة. وفي الاستفتاء على تعديلات الدستور، أفتى مرجعهم الشيخ محمد حسان، بالوجاهة الشرعية للمشاركة السياسية، بينما شيخ آخر، من مرجعياتهم، هو محمد حسين يعقوب، وصف أفراد الشعب الذين صوّتوا سلباً، بأنهم لا يرغبون في العيش في دولة إسلامية. ثم اختلف الكلام بعدئذٍ، عندما ظهر أن حصاد الانتخابات الأخيرة، يساعد التيار الإسلامي، على الدفع باتجاه صياغة دستور جديد، من ألفه الى يائه!
في برنامجهم الانتخابي، أعلنوا عزمهم على تكريس قانون، ضد تضخم الرساميل ولمحاربة الاحتكارات في قطاع الأعمال، وبخاصة تلك المتعلقة بالغذاء، ونوّهوا الى الاقتداء بقوانين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، القائمة على المنافسة في اقتصاد السوق. وكان من بين طروحاتهم الجذابة، العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح والذرة، والدعم الحكومي للسماد والبذور، ووحدة زراعية مع السودان تؤمن للبلدين أمنهما الغذائي، والتوسع في استصلاح الأراضي، والحفاظ على المستصلح منها، ودفع انتاج الثروة الحيوانية.
في السياق ذاته، تبدت السياسة الخارجية في برنامجهم ومواقفهم، غير ذات شأن بقضايا المسلمين في الجوار. فهم يتطلعون الى علاقات جيدة مع إسرائيل، دونما أية إشارة الى مستلزمات واجبة أو الى مناخ مواتٍ، وأظهروا رغبة في التحادث مع تل أبيب \"لما فيه خير البلدين\"!
في لغة الخطاب المتعلق بالسياسة الخارجية، بدا أن سروال المرأة العاملة، الذي يجسّم قامتها أو عجيزتها، مستفزاً للسلفيين، بينما إسرائيل لا تستفز في شيء. ذلك بمعنى، أن عُرياً جزئياً لفتاة تعرضها إيناس الدغيدي في السينما، يقلب دنيا السلفين، بينما سياساتهم تتعرى مثلما هي مشاهد \"البورنو\" السينمائية. وربما تبدو ممثلات الإغراء، أكثر احتشاماً من شيوخ السلفيين الذين يطرحون ضوابط الشرع، قرآناً كريماً وسُنّة، في الأحوال الشخصية. من هنا جاء حديث الناطق باسم حزب \"النور\" السلفي، يسري حمّاد، مع إذاعة جيش الاحتلال دون حرج أو تلعثم!