راديو المنار من فلسطين :: هل إنتهت حرب العراق؟!بقلم: د. فوزي الأسمر
روسيا تجري تجربة ناجحة لصاروخ "باليستي" جديد عابر للقارات       استئناف رحلات الطيران الفلسطينية بين مطاري العريش وماركا       اجواء غائمة جزئيا ومغبرة       إسرائيل دمرت غزة وشركاتها تفوز بعطاءات أممية لإعادة إعمارها       إستراتيجية الحفاظ على الذات الوطنية..د. ابراهيم ابراش       اسرائيل تبدأ بإخراج جثامين الشهداء من المقابر لتسليمها للسلطة       ارحموا فلسطين بمصالحتكم..أدهم أبو سلمية       المصالحة أم المصلحة..د. عبير عبد الرحمن ثابت       مدرب المكسيك : نسعى للفوز بجميع مبارياتنا في تصفيات المونديال       رئيس فيراري يؤكد أن ماسا يتحتم عليه النجاح       خمس مدن تحاول الافلات من شبح الاستبعاد من المنافسة على استضافة اولمبياد 2020       انفجار مقذوف مدفعي في نابلس دون اصابات       "إسرائيل" تتابع بقلق وحذر الانتخابات المصرية       عباس يوقع على إقالة عبد ربه من التلفزيون       انفجارات بسوريا واختطاف 12 لبنانيا في حلب       زغير: هاجمني الجنود وطعنوني بسكين بعدة أماكن       إسرائيل خططت لإعادة اعتقال المحررين       الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية :3500 صاروخ إيراني وسوري موجهة لإسرائيل       الكنيست يبحث شرعنة الاستيطان على أراض فلسطينية خاصة       الطقس: الجو صاف إلى غائم جزئي      

جديد المقالات
 
حالة الطقس

استطلاع الرأي
كيف تقيم الجهود المبذولة لدعم قضية الأسري..؟
<
ليست بالمستوى المطلوب
فاعلة
بحاجة لتكثيف
حكمة اليوم
~ طريق الألف ميل يبدأ بخطوة ~



  

خروج القوات الأمريكية من العراق مع بداية عام 2012، لا يمثل نهاية للحرب والصراعات الداخلية، ولا يعني أبدا أن العراق أصبح دولة حرة ومستقلة بكل معنى الكلمة  ولكن بلا شك يشكل هذا الخروج إنتصارا تاريخيا كبيرا لقوى المقاومة العراقية التي أجبرت أمريكا على اتخاذ قرار الهروب من المستنقع العراقي، دون تحقيق الأهداف التي رسمتها لنفسها من هذه الحرب التي افتعلتها بحجة ما سمته إمتلاك العراق \"سلاح  الإبادة الجماعية\".

فقد جاء هذا الإنسحاب في أعقاب الخسائر الجسدية والمالية التي لحقت بجنود الإحتلال وبالإقتصاد الأمريكي، على أيدي المقاومة العراقية. فحسب آخر تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية، فقد وصل عدد القتلى من الجنود الأمريكيين حتى يوم 30/11/2011 إلى  4,485 قتيلا. وعدد الجرحى حتى يوم 29/11/2011 وصل إلى 31,921 جريحا وهؤلاء هم الذين خسروا أعضاءا من أجسادهم وأصبحوا عجزة، كما أن هذا الرقم لا يشمل الذين يعانون من حالات نفسية وأمراض أخرى، ولا الذين كانت جراحهم طفيفة نسبيا. أما تكاليف هذه الحرب حتى يوم 30/11/2011 فقد بلغت، حسب نفس التقرير، 805 مليار دولار.

ولكن الأهم من كل ذلك، هو أن  المقاومة العراقية ساهمت في إفشال كل المخططات التي وضعتها أمريكا إقليميا لهذه الحرب، ويمكن إعتبارها فصلا مأساويا في تاريخ أمريكا.تماما كما فعلت المقاومة اللبنانية، حيث حدت من مقدرة إسرائيل الإعتداء على السيادة اللبنانية وبالتالي لعبت دورا في إفشال المخطط الأمريكي/ الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط.

فبعد تسع سنوات من الإحتلال، فشل هذا الإحتلال في جعل العراق دولة آمنة، وفشل في تحويلها إلى دولة ديمقراطية \"تحتذي بها دول المنطقة\"، وفشل من خلال هذه الحرب  تطبيق ما سمته أمريكا بمخطط \"الشرق الأوسط الجديد\". كما فشل في جعل العراق دولة إقتصادية مستقلة، رغم أنها تعتبر رابع أكبر دولة نفطية في العالم، ومع ذلك لا تزال تعاني من نقص في الكهرباء ولا تستطيع أن تؤمن الخدمات الإجتماعية لسكانها، والبطالة لا تزال مرتفعة فيها.

وينسحب الجيش الأمريكي مخلفا عراقا منقسما تتآكله الصراعات الطائفية، ومكبلا سياسيا، ومحتلا إقتصاديا، فقد يواجه شعب العراق 16 الف دبلوماسي ورجل أعمال أمريكي يمشطون البلاد طولا وعرضا للسيطرة على مقدراته الإقتصادية، وبالتالي تقيده بقروض إقتصادية قد يصعب التخلص منها خلال عقود كثيرة.

ولإدارة كل هذه الشؤون ستترك أمريكا خلفها أكبر سفارة لها في العالم، والتي ستضم مئات العاملين من دبلوماسيين وأخصائيين مدنيين وعسكريين  في كل المجالات، وقوة أمنية كبيرة، بالإضافة إلى النشاطات المخابراتية التي ستقوم برصد ما يدور في المنطقة.

وقد بدأت الصراعات الداخلية حتى قبل خروج آخر جندي أمريكي من أرض الرافدين تجسد في تجديد الصراع بين الطائفتين الشيعية والسنية. فقد أصدر مجلس القضاء الأعلى في العراق (19/21/2011) مذكرة توقيف بحق طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي، والذي وينتمي إلى الطائفة السنية، بحجة مشاركته في تدبير هجمات إرهابية.

وقد أدى ذلك إلى أن يقوم إئتلاف  \"العراقية\" (وهو سُني) بمقاطعة جلسات الحكومة وجلسات البرلمان أيضا. وفي نفس الوقت إنتقد رئيس الجمهورية طلباني (وهو كردي) عدم التشاور معه بشأن إصدار مذكرة القبض على نائبه الهاشمي. وصرح نائب رئيس الوزراء صالح المطلك قائلا: \"إن واشنطن تركت العراق بيد دكتاتور يتجاهل تقاسم السلطة. إنه ديكتاتور أكبر من صدام حسين لكون صدام كان يبني أما هو (أي المالكي) فإنه لم يقم بشيء\".

ونقلت وكالة رويتيرز للأنباء (20/12/2011) عن زعيم القائمة العراقية اياد علاوي  قوله: \"التطورات الأخيرة قضت على الديمقراطية في العراق.. لقد إغتصبت الديمقراطية في العراق على مرأى ومسمع من الجميع وتم تقويضها تماما، ونخشى أن يؤدي ذلك إلى تأجيج الصراع الطائفي ويؤدي إلى مزيد من إراقة الدماء\".

هذا ما خلفه الإحتلال في العراق. وقــد تـحـدثـت عنه صحيفة \"واشنطن بــوســت \" ( 19/12/2011) في مقال على صفحتها الأولى حيث قالت بأن الصراعات السياسية والطائفية تتعمق في العراق مع خروج القوات الأمريكية منها .

وقد وزعت على الإنترنت رسما كاركتوريا يظهر فيها نوري المالكي يركب سيارة محطمة، وفيها خروق رصاص كثيف، والرئيس الأمريكي، باراك أوباما، يقف أمامه ويبتسم ويقدم له مفاتيح السيارة قائلا: \"تحمل أنت المسؤولية لوحدك\".

ولكن هناك إيجابيات كثيرة إستفادت، وسيستمر الإستفادة منها، شعوب المنطقة، وشعوب العالم التي تتطلع إلى الحرية والإستقلال. فقد رسخ الإحتلال معالم  المقاومة الشعبية وكرسه خيارا ونهجا، بل عزز أيضا ثقافة المقاومة بكل أبعادها. وأكد أن التخلص من الإحتلال لا يأتي عن طريق المفاوضات، إلا إذا كانت تدعمه مقاومة على أرض الواقع، بغض النظر عن جبروت المحتل وشراسته.

ويمكن إحتلال العراق وهزيمة  المحتلين أن يكون عبرة لبقية الشعوب العربية، حيث برهنت أمريكا أنها لا تعمل لصالح  الشعوب، وأن ما تتطلع إليه هو مصالحها وفرض نفوذها ، وتنفيذ مخططات إسرائيلية، ودعم أنظمة فاسدة. بمعنى آخر فإن الذين يعتقدون أن صداقة أمريكا مبنية على مصالح الشعوب مخطؤون في ذلك. أن مصالح أمريكا تتطابق مع مصالح قادة دكتاتوريين لا تهمهم سوى مصالحهم هم، وتتطابق مع مصالح إسرائيل التي تتطلع لفرض هيمنة على المنطقة.

وبلا شك أن أعداء العراق وأعداء الأمة العربية والقومية العربية سيعملون جميعا على تطوير التعصب الطائفي وتعميقه وتغذيته بكل الوسائل المتاحة، حتى لا يتعافى العراق ويعود ليلعب دورا مهما في حياة المنطقة وحياة الأمة العربية.

فالعراق اليوم يقف على مفترق طرق مهم جدا، فإما أن ينجح في خلق وحدة وطنية مبنية على أسس ديمقراطية حقيقية متعالية عن الطائفية، ويتحمل مسؤولية إعادة بناء مؤسسات الدولة وبالتالي إقتصادها، واستعادته لدوره العربي والإقليمي والعالمي. وإما أن يؤدي الوضع الراهن إلى تقسيم العراق وزعزة كيانه. وهذا ما لا يتمناه أحد لهذا البلد الذي قاسى الأمرين من إحتلال همجي. فالحرب لم تنته بعد في العراق، بل بدأت تأخذ منحا جديدا، يحتاج إلى كثير من العقلانية والإرادة القومية.

* كاتب وصحافي فلسطيني يقيم في واشنطن

 



|المزيد من جديد المقالات..|