الكلام عن المصالحة الوطنية بين حركتي \"فتح\" و\"حماس\" لا يثير تلك الآمال والتوقعات الكبيرة التي أثارتها اللقاءات السابقة بين قيادتي الحركتين. فاتفاق مكة المكرمة مثلا الذي هلل له الفلسطينيون والعرب انقلب إلى مواجهات مسلحة سال فيها الدم الفلسطيني مدرارا في شوارع القطاع، وانتهى القتال بسيطرة \"حماس\" على غزة، وانحصار نفوذ السلطة الوطنية في الضفة الغربية. وهي حالة من الانقسام والتفكك لا يرضاها أي صديق أو حليف للفلسطينيين. ومنذ أحداث ٢٠٠٧ في غزة والأمور تراوح مكانها رغم أن وفود الحركتين ذاهبة وآيبة إلى القاهرة، ورغم اتفاق المصالحة الذي وقع في القاهرة في أيار الماضي، وكان مجالا لبعض التفاؤل الذي تبقى عند من يبالغ في التفاؤل من أبناء هذا الشعب.
وقد تساءل الناس، وما زالوا يتساءلون، عن السبب أو السر في جمود اتفاق القاهرة، وهل يتمثل السبب في عدم موافقة \"حماس\" على اختيار د. سلام فياض رئيسا للحكومة الانتقالية، أم أن السبب هو أبعد من ذلك؟ وليس سرا أن اسرائيل والولايات المتحدة تعارضان أي اتفاق للمصالحة الوطنية، ليس لأنهما تفضلان فصيلا على فصيل، بل لأن الوحدة الوطنية الفلسطينية تزيل أحد المبررات التي تطرحها اسرائيل لتراجعها عما يسمى بعملية السلام- وهو وجود حكومتين فلسطينيتين إحداهما لا تريد السلام، وفقا للمنطق الاسرائيلي، بينما تدعي الحكومة الاسرائيلية أنها تريد اتفاقا للسلام يلتزم به جميع الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، على حد سواء.
وليس تكليف فياض برئاسة حكومة المرحلة الانتقالية هو المشكلة. والحقيقة أن الضغوط الخارجية والمصالح والامتيازات الفصائلية هي التي تبقي الوطن الفلسطيني منقسما على نفسه بهذا الشكل المريع. وما إنعاش جهود المصالحة في الآونة الأخيرة إلا رد فعل فلسطيني على تحرك الشعوب العربية، ومطالبتها بالحرية والديمقراطية، والتضحيات الجسيمة التي تبذلها تلك الشعوب من أجل هذا الهدف العظيم.
ومن هنا، فإن الانتخابات النيابية والرئاسية التي يطالب بها أبناء الشعب الفلسطيني تعتبر خطوة على طريق معرفة رأي الشعب في التطورات التي مرت وتمر بها القضية الفلسطينية، وفي اختيار الجهة التي يراها الشعب مؤهلة لقيادته للخروج من بجر التطورات المتسارعة من حولنا وفي العالم كله.
يريد الشعب الفلسطيني أن يخوض هذا البحر المتلاطم من التطورات المذهلة موحدا، وبقيادة موحدة يختارها من خلال انتخابات شفافة ونزيهة في الضفة والقطاع. ومن هنا فإن المصالحة من منظور شعبي فلسطيني ليست مجرد لقاءات واتفاقيات يتم تجاوزها قبل أن يجف الحبر الذي تكتب به. وهذا هو السر في غياب التوقعات الكبيرة، حتى مع الإعلان عن خطوات هامة عى طريق المصالحة مثل تطوير منظمة التحرير الفلسطينية والتقدم نحو إجراء الانتخابات بمختلف أنواعها.
الوحدة الفلسطينية ليست هدفا بعيد المنال، ولا يجب أن تكون كذلك. ولو خلصت النوايا وسار الجميع على بوصلة الانتماء الوطني، فإن المصالحة ستكون قاب قوسين أو أدنى، وليست هدفا سرابيا يبتعد المعنيون عنه كلما اقتربوا منه، ولا حدثا موسميا يتكرر مرات خلال العام الواحد دون أن يجنوا ثماره، أو يحققوا للشعب ما يتمناه.