بوركت لمن اجتمعوا في القاهرة تفاهماتهم. وعازمون نحن كمواطنين وكتّاب، على أن نرصد وأن ننصح، وليتحملنا إخوتنا جميعاً، إن ذهبنا في بعض المرات الى التشخيص، توخياً لطبابة أو ترياق. فقد تشكلت هيئة قيادية لمنظمة التحرير الفلسطينية تضم الجميع. بعض المُحرجين من الخطوة، قالوا إن التحاقهم بالهيئة القيادية، ليس هو صنو الدخول الى \"المنظمة\" وكأن ثمة فناءٍ قد تبقى في منظمة التحرير لكي يدخلوا اليه، بخلاف الهيئة القيادية، وكأن هذا الدخول ليس امتحاناً عسيراً لقدرة الداخلين والمقيمين سلفاً، على إحداث نقلة في مستوى الأداء السياسي والإداري للقيادة الفلسطينية، ولقدرة هؤلاء على تصويب الأخطاء، ولقدرتهم على التكيف مع الظروف المعقدة، دون إسفاف أو تزيّد أو اختزال للمسائل بالهرب الى سياسات يائسة أو الى سياسات مكابرة. ففي الواقع، يتعين على الداخلين أن يتساندوا لإنجاز مهمة بعث الحياة في قيادة \"المنظمة\" ومأسستها من جديد، على القواعد ونقاط العمل السياسي الوطني، التي أرساها الزعيم الشهيد ياسر عرفات، بعد تجارب كنا نراهن خلالها، على كل ومضة أمل، وعلى كل قوة إقليمية زعمت أنها قادرة على مؤازرتنا بفعلها الماحق الحاسم، ثم خيّبت آمالنا في اللحظات الحرجة!
* * *
المنضوون الجدد في الهيئة القيادية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومعهم القدامى، تنتابهم مشاعر متغايرة أو متناقضة، فمنهم الذي يرى أن أمر التشكيل، هو الخطوة الأولى للصعود بالجميع الى الجبل، ومنهم من يفضل السفح الآمن، ولا يخلو جمعهم، ممن يُريحه السهل السحيق ويسعده، ويرى أنه خيارنا. ولعل الجبل، بالمعنى المجازي، هو ركوب الصعاب، ومعاندة كل الحقائق على الأرض، وهي حقائق على أية حال، في بعضها الذي يندرج في قائمة الأسباب والعوامل الذاتية، هو من نتاج عمل فريقين على الساحة الفلسطينية، واحد أفراط في التفاؤل فتورمت أوهامة ورهاناته على العملية السلمية، والآخر أفرط في تفاؤل مضاد، فتورمت أوهامه ورهاناته على الكفاح المسلح.
إن قلنا أن الصعود الى الجبل، هو الخيار الأصوب، سيباغتنا السؤال: أي جبل وأين هو، فيما نحن في حالنا الطبيعي مرصودون في منطقة حظر على الحركة وحظر على الأجواء، وعاجزون حتى الموات، بمعيار ميزان القوى؟! وإن قلنا إن السهل آمن، فإن حجم المجازفة يصبح أكبر من صعود الجبل دون توافر شروط الصعود، إذ سنكون في ذاك السهل الخطير، في مرحلة وجودنا الأخيرة، قبل أن يجرفنا السيل إن هطلت الأمطار، ثم لا ندري بعدها أين أصبحنا، يفتش بعضنا عن بعضنا الآخر فلا يعثر له على أثر.
ربما يكون السفح هو الخيار المرحلي. وهو سفح صعب على أية حال. فلا المحتلين يقبلون بأقل من السهل، ولا بعضنا يقبل بأقل من الجبل. وحسب هذه المعادلة، نحن مهددون بالاندثار إما صعوداً أو نزولاً. من هنا تصبح مهمة الهيئة القيادية الموسعة، عملاً يليق بالنخبة، يتطلب مناقبية وحكمة ومثابرة على مدار الساعة، ويستوجب تكريس صدقية القيادة الفلسطينية بمباشرة إصلاحات ديمقراطية، في الإدارة وفي السياسة، تستند الى وثائق وقوانين معتمدة لم نعمل بها. نحن في حاجة الى التواصل مع محيطنا، والى اعتماد الصراحة في الإفصاح عن كل ما نطمح اليه ونتوخاه من محيطنا العربي ومن أصدقائنا في العالم، وأن نضع النقاط على الحروف، وأن نكون المثال المُحتذى، القادر بعدئذٍ على تحميل المقصرين المسؤولية عن تقصيرهم أمام شعوبهم، لكي لا نظل \"ملطشة\" لإسرائيل دونما نصير. فإن لم نفعل ذلك، سيظل مكوثنا على السفح محفوفاً بمخاطر الإنزلاق الى الهاوية أو الانكشاف والإبادة في رأس الجبل!
لتكن الهيئة القيادية لمنظمة التحرير الفلسطينية، قيادة فعلية للشعب الفلسطيني، ولتنشأ المسافة بينها وبين السلطة، على أن تكون الأخيرة، هي المرجعية السياسية للثانية. لكننا حين نصل الى هذا التطور، سنواجه عاصفة عاتية، ينبغي أن نتهيأ لمغالبتها والثبات أمامها. وبهذا التطور، تسقط مفردات المعادلة القائمة، التي ارتاح وأدمنوا عليها وبها المحتلون، ومارسوا على أساسها كل الآثام، وانقلبوا على العملية السلمية، وحشرونا في الزاوية، مسالمين أو مقاتلين، فلم نعد قادرين على اعتماد السياسة ولا على اعتماد القتال. لم يعد أمامنا إلا أن نلوذ الى أنفسنا طامحين الى أن ينصفنا الأشقاء والأصدقاء. الرئيس أبو مازن، ينتقل من مربع التفاؤل بالسلام، الى مربع اليأس منه، والحركات \"الجهادية\" انتقلت من مربع القتال، الى واقع العجز عنه. وعندما نلوذ الى أنفسنا، نعود الى النقطة الأولى، مستأنسين بحقيقة أن شعبنا باق وصامد على أرضه، ولن تمحوه كل الرياح المسمومة الهوجاء، التي تهب من جهة عتاة العنصريين. وسيلتنا هي وحدة المشروع الفلسطيني بخطوطه العامة وتفصيلاته، وهذه هي نقطة التحدي!