من حق الناس الذين يدينون بالمسيحية في بلادنا ابداء تخوفهم من الفائزين في الانتخابات العربية، ومن حقنا ايضا التخوف عليهم وعلى انفسنا. لكن محظور ان يصبح هذا التخوف خوفا وجبنا وهربا \"هجرة\"، على اعتبار ان هذه بلادنا، ومن الخطأ الشائع ان يظل البعض الرسمي بغض النظر عن انتمائه الديني الاشارة اليهم بتعبير \"الاقلية\"، حتى وان كانوا كذلك عدديا، فالمسلمون ايضا يمكن اطلاق اللقب ذاته عليهم حين يكونوا شيعة في السعودية، او سنة في ايران، او اكرادا في العراق، او دروزا في لبنان، وحتى في المحتمع السني الواحد، فهناك اقلية اردنية في الاردن نسبة الى الفلسطينيين، وأقلية سلفية نسبة الى الاخوانية في مصر، وسريانية في فلسطين نسبة الى الارثوذكس او اللاتين. وهكذا.
يخطئ المسيحي، بل وكل انسان في ان يهاجر خوفا اوهربا، الا اذا لم يكن هذا وطنه، فالوطن هو وطننا جميعنا، والهارب من الاسلاميين الى امريكا او حتى فرنسا، فلن يجد ضالته، فأول شيء في امريكا انها لا تتعامل معه لا رسميا ولا شعبيا بناء على دينه، بل على رصيده في البنك، وفي المقام الثاني لون بشرته وفي المقام الثالث لكنته. في فرنسا فإن النظام الديمقراطي الذي منع المرأة المسلمة من التحجب، منع المسيحية من اظهار الصليب واليهودي من لبس القبعة الدينية \"الكيباة\".
لو تعامل المسيحي والمسلم في وطنه على ذاك الاساس، لما اصبحنا نخاف كل من الآخر، وسأعطي مثالا ملموسا من واقعنا الفلسطيني: لم يكن محظورا ان يتزوج المسلم من المسيحية او المسيحي من المسلمة في المسجد اوالكنيسة اوكليهما لفك شيفرة دافنشي، وربما كان ذلك في حده الاعلى مكروها لدى عائلة العريس او العروس لكن بعد مجيء السلطة اصبح محظورا، وصدرت تعليمات من الرئيس الراحل بمنع كتب كتاب مسلم على مسيحية الا بعد مراجعة مدير المخابرات، لكن لماذا وصل الامر بعرفات ان يفعل ذلك؟ لأن الطلبات والضغوطات المسيحية آنذاك ازدادت عليه، ولكي يبدو عادلا ازاء \"الأقلية\"، ولكي يتجنب ان يؤخذ عليه انها ظلمت في عهده، نزل عند طلبها، لكن تلك \"الاقلية\" هي التي ظلمت نفسها مرتين، حين استقوت بالسلطة السياسية بدلا من الاستقواء بشعبها التي هي جزء لا تتجزأ منه، في قضية شخصية بحتة، لأن المتحابين من الديانتين لم ينصاعا لا لرغبة عائلتيهما ولا لاجراءات السلطة، حين اصبحنا نراهما يتزاوجان في يافا وحيفا.
هل يستطيع المسيحي في امريكا ان يمنع زواج ابنته من المسلم؟ وهل سيلجأ لاوباما ليحول دون ذلك؟ ولا المسلم، يستطيع منع تزويجها من سني او شيعي، ولا من لاتيني او أرمني، ولا حتى من يهودي..!!