أثبت الكاتب الفلسطيني المستنير الأستاذ داود كتاب بالأدلة والبراهين عبر مقالة له نشرت قبل بضعة أيام في صحيفة \"نيويورك تايمز\" الأمريكية أن الفلسطينيين شعب متجذر على أرض فلسطين، وأنه لا يمكن طمس الهوية الفلسطينية بتصريحات لا أساس لها من الصحة، في إشارة إلى تصريحات رئيس مجلس النواب الأمريكي السابق نيوت جنجريش لإحدى القنوات الفضائية الأمريكية اليهودية قبل بضعة أسابيع بمناسبة بدأ مزاد الانتخابات الأمريكية لكسب التأييد اليهودي بأن الفلسطينيين شعب مخترع. طبعًا نحن في حاجة إلى هذا النوع من الإعلام الخارجي الموجه إلى المواطن الغربي، ولذا فإنني أعتبر مقال كتاب أفضل من أي رد أو استنكار أو شجب صدر عن أي مسؤول فلسطيني، أو على أي مقال كتب أو نشر باللغة العربية، بما في ذلك مقالي هذا.
أحب أن أضيف هنا أن الشعب الأمريكي معذور في وقوعه تحت تأثير الدعاية والإعلام الصهيوني بشكل كلي طيلة الوقت، ولا تتاح له الفرصة للاستماع إلى الرأي الآخر، إلا بشكل محدود للغاية.
بالأمس القريب كان لدينا د. أدوارد سعيد الذي كان أفضل محام للقضية الفلسطينية في الولايات المتحدة، وكان ينشر أفكاره وأرائه الرصينة حول القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في الإعلام الأمريكي من خلال مقالاته التي كانت تنشر في حوالي ثلاثين مطبوعة في آن، ولقاءاته في الشبكات الفضائية الأمريكية الشهيرة، إلى جانب المحاضرات والندوات التي كان يلقيها من على المنابر الأكاديمية والثقافية في أنحاء الولايات المتحدة. فكان إدوارد سعيد بمفرده مركزًا إعلاميًا فلسطينيًا عتيدًا في الولايات المتحدة. لكنه توارى خلف التراب قبل بضع سنين، مخلفًا ورائه فراغًا كبيرًا في تلك الساحة، ولو كان حيًا يرزق لكان أفضل مبارز لجنجريش وأمثاله من المعادين لفلسطين والشعب الفلسطيني العريق حضارة وهوية وتمدنًا. ويكفي أنه يعود الفضل لهذا الرجل في كسب تعاطف العديد من الأكاديميين والمثقفين ورجال السياسة الأمريكيين إلى جانب مساحة لا بأس بها من عامة الأمريكيين. ولنا أن نتصور كم سيكون الأمر رائعًا لو كان لدينا عشرة أشخاص مثل د.إدوارد سعيد في الولايات المتحدة الأمريكية. لكنني أود القول إن تصريحات جنجريش لا ينبغي أن تعمينا عن مواقف ساسة ومفكرين أمريكيين – أنصفوا فلسطين والفلسطينيين والقضية الفلسطينية، والقائمة تطول يومًا بعد يوم بدءًا من وزير الدفاع الأمريكي الأسبق جورج فوريستال والكاتب المعروف ألفريد ليلينتال وحتى ستيفن وولت وجون ميرشايمر مرورًا بنعوم تشومسكي ونورمان فلنكشتاين وراشيل كوري التي لقيت حتفها من أجل فلسطين، ولا يخفى على أحد أن نسبة كبيرة من هؤلاء هم من الأمريكيين اليهود.
أود أن أضيف إلى القائمة الأديبة الأمريكية فيدا هارت، التي سافرت إلى قطاع غزة عام 1964، ورأت بأم عينها مأساة الشعب الفلسطيني، فكتبت بعد عودتها رواية \"أمل لا يموت\"، ثم كتبت أيضًا عن مأساة الشعب الفلسطيني روايتها الثانية \"نهر الدموع\" التي تحكي فيها قصة عائلة فلسطينية انقسم قسم منها عن الآخر بسبب حرب 67، فعاش البعض في شرق الأردن، وعاش البعض الآخر في غربه، وتتبع هارت مسار تلك العائلة – من خلال الرواية- حيث يتحول بعض أفرادها إلى فدائيين يقاتلون من أجل استرجاع وطنهم المغتصب فلسطين.
في عام 1985 قمت بترجمة كتاب صغير لهذه الكاتبة الأمريكية بعنوان \"الفلسطينيون شعب\" نشر في جريدة \"عكاظ\" على حلقتين في سبتمبر من ذلك العام، والكتاب يعتبر من وجهة نظري – مثلما هو مقال الأستاذ داود كتاب- وثيقة تثبت أن فلسطين وشعبها حقيقة تاريخية وجغرافية وحضارية غير قابلة للجدل أو التشكيك. فقد استعرضت فيه الكاتبة مراحل التاريخ الفلسطيني، وتحدثت في أحد أجزائه عن الهوية الفلسطينية ، حيث قالت بهذا الصدد، إن الفلسطينيين ينتمون إلى الجنس السامي، وأن العبرانيين عندما دخلوا فلسطين كان يوجد بها القلسطينيون والكنعانيون، وحتى عندما أنشأ داود وسليمان – عليهما السلام – المملكة الموحدة، ظل أهل البلاد الأصليين (الفلسطينيون) في موطنهم. وعندما حدث السبي البابلي، ظلت هناك مملكة صغيرة، وقد دالت هي الأخرى، ولكن خلال تلك الفترة ظلت الأرض مأهولة بفلاحيها وقرويها وتجارها من أبناء البلاد الأصلاء. وفي الفترة الفارسية، عاد اليهود لينشؤوا (يهودا) ولينبوا الهيكل للمرة الثانية، وبعد ذلك جاء اليونان، وبعدهم الروم الذين سمحوا بمملكة يهودية تابعة لهم. وفي عام 70م طرد الروم اليهود من القدس ودمر الهيكل الثاني عن بكرة أبيه (عام 130م) على يد أدريانوس. وفي المراحل الأولى من انتشار الإسلام اعتنق معظم سكان فلسطين الإسلام. وخلال حكم الأتراك الطويل ظل عدد السكان اليهود في فلسطين محدودًا، لكن بعد الحرب العالمية الأولى بدأ اليهود يتدفقون على فلسطين بأعداد كبيرة تنفيذًا لوعد بلفور، بما أعطى للفلسطينيين إنذارًا، فقاموا عام 1919 بثورة عارمة تعبيرًا عن غضبهم من ذلك الوضع، لكن الهجرة اليهودية استمرت، واستمرت معها ثورات الشعب الفلسطيني.
وتستطرد هارت في سرد مآسي الشعب الفلسطيني مشيدة بشجاعته وصموده، منددة بالظلم والغبن الذي تعرض له على مر عشرات السنين، مؤكدة على أن شعبًا بهذه المواصفات، وبهذا الإصرار والتمسك بحقوقه لا يمكن أن يموت، أو أن تموت قضيته، فهو شعب موجود على أرضه وترابه منذ آلاف السنين.
أتمنى أن يقرأ جنجريش هذا الكتاب..!!