تتوج إنطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة كل عام إنطلاقات الفصائل الوطنية المختلفة يسارها ووسطها ويمينها وحتى القوى الجديدة، التي التحقت بالقوى الفاعلة في الساحة. إنطلاقة الثورة السابعة والاربعون محطة مهمة في المكاشفة مع الذات الوطنية والآخر. لانه من المؤسف في مثل هذه المناسبات حرص الفصائل الوطنية الممتدة على مساحة الوطن وقطاعات الشعب وقواها الاجتماعية والسياسية على ابراز حجومها من خلال الحشد الجماهيري،الذي لا يعكس بالضرورة ثقلها الفعلي، وترصد لفاعليات انطلاقاتها موازنات كبيرة على حساب ما تقدمه للمواطنين والعملية السياسية الوطنية، فضلا عن حرص البعض على الانشداد للمنافسة مع الفصائل الاخرى، وكأن معركتها الاساسية مع الآخر الوطني وليس مع العدو الاسرائيلي. فضلا عن الحديث عن انجازاتها، التي كثيراً منها يكون مبالغا به ويحتاج الى التدقيق والمراجعة.
في إنطلاقة حركة \"فتح\" والثورة الوطنية المعاصرة تملي المسؤولية إعادة نظر في اليات الاحتفاء بهذه المناسبة وكل مناسبة لاي فصيل من فصائل العمل الوطني. بحيث تكون مناسبة لمراجعة التجربة التنظيمية والسياسية والكفاحية والعلاقة مع المواطنين الفلسطينين، وكيفية إدارة الصراع مع دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية. وطرح الاسئلة بشفافية عالية لوضع الاصبع على الجرح او الجروح، الموجودة والاشارة الى النواقص والاخطاء، التي رافقت تجربة هذا الفصيل او ذاك وفي السياق النواقص في التجربة الوطنية العامة.
وهذا الطرح لا يعني جلد الذات او الانتقاص من الايجابيات إن وجدت. ولا يفترض عرض ما قامت به القيادة خلال العام المنصرم بشكل ميكانيكي. لانه ليس مهما عرض الاعمال، التي قامت بها هذه القيادة، انما المهم الربط بين ما قامت به وما استطاعت ان تنجزه من خلال تحركها حول هذه المسألة او تلك، وايضا ما لم تستطع إنجازه، وابراز السبب او الاسباب الذاتية والموضوعية. ومكاشفة اعضاء التنظيم او الحزب او الحركة والجماهير الشعبية الفلسطينية كلها باسباب وعوامل عدم النجاح والفشل. وبالتالي محاولة البحث عن حلول علمية أكثر ابداعية للخروج من عوامل التكلس والتراجع في مسيرة الفصيل والثورة عموما.
إذا قيمة واهمية تسليط الضوء على النواقص ونقد الذات يكمن في استنطاق الحلول الواقعية والملموسة الكفيلة باشتقاق سياسات واليات عمل جديدة غير معهودة وغير روتينية. لان قضية سياسية بتعقيدات القضية الفلسطينية ومركباتها المحلية والعربية والاقليمية والدولية تحتاج الى منطق ابداعي خلاق، وعقل سياسي متجدد، غير تقليدي. عقل قادر على انتزاع الذات التنظيمية من الوهن والترهل والمراوحة.والابتعادعن التخندق في مستنقع تجميل الازمة العضوية المتنامية والمعمقة لكل الامراض الخبيثة، التي تنهش الفصيل والعملية السياسية الوطنية.
في مناسبة إنطلاقة الثورة وحركة \"فتح\"، قائدة المشروع الوطني لا يجوز التغني بما تم إنجازه، دون ان يلغي ذلك الاشارة لها. بل ان المصلحة والمسؤولية تفرض على القيادة الوطنية طرح الاسئلة الغائبة في هذه المناسبات، مثل لماذا فشلت الحركة الوطنية من تحقيق الاهداف الوطنية؟ واين تكمن الازمة في الذات الفتحاوية والوطنية؟ ولماذا لم تنجح القوى الوطنية من إشادة وحدة وطنية حقيقية حتى الان؟ ومن المسؤول عن ذلك؟ ولماذا نجح الانقلاب على الشرعية الوطنية من الاساس؟ وهنا يفترض إعادة طرح السؤال مجددا على الذات،لان هذا لا يتناقض مع المصالحة ودفعها للامام، لان قيمة هذا السؤال تصويب ما قدم من اجابات سابقة شابها بعض النواقص وحاد الاصبع عن الجرح الحقيقي. وكيف يتم تحصين الذات الفتحاوية والوطنية لمواجهة أخطار من مشابهة في المستقبل؟ وما هي السبل الحقيقية لاعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية؟ هل تفاهمات آذار/ مارس القاهرية 2005 كافية لاستنهاض المنظمة ام هناك ضوة لتطويرها؟ وكيف تتكامل فتح مع الكل الوطني وخاصة فصائل المنظمة التاريخية للنهوض بالمنظمة بما يعيد الاعتبار للهوية والشخصية والاهداف الوطنية؟ وعلى اي اساس ستخوض \"فتح\" الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني؟ هل ستخوضها منفردة ام بشكل مشترك؟ وهل استفادت من تجربة الانتخابات السابقة عام 2006؟ ولماذا حتى اللحظة، ورغم مرور أكثر من عامين على المؤتمر السادس، مازالت الحركة تراوح في ذات المكان؟ هل السبب موضوعي ام ذاتي؟ وما هي سبل الخروج الى فضاء النهوض التنظيمي والوطني؟ ولعل السؤال يطال كل فصيل وطني على حدة ايضا؟
وعلى صعيد المعركة السياسية مع دولة الابرتهايد الاسرائيلية، لابد من طرح الاسئلة بحزم وقوة لمكاشفة الذات، ومنها هل الدولة الاسرائيلية بمكوناتها السياسية المختلفة وليس فقط حكومة اقصى اليمين الصهيوني جاهزة للتسوية ام لا؟ وهل هناك آفاق للتسوية السياسية بعد ثمانية عشر عاما؟ هل لدى اقطاب الرباعية إحساس بالمسؤلية تجاه عملية السلام في المنطقة ومعنية بدفع عملية السلام للامام؟ وهل مطلوب من الشعب العربي الفلسطيني ان يرهن نفسه للادرارات الاميركية وحساباتها الانتخابية وتحالفاتها الاستراتيجية مع دولة الاحتلال والدوان الاسرائيلية؟ هل هناك أدنى امكانية لان تستيقظ الولايات المتحدة وتعيد النظر بالحد الادنى الممكن في العلاقة مع إسرائيل؟ وهل لديها الاستعداد لان تعيد النظر في منطقها المعادي للمصالح الوطنية الفلسطينية؟ وهل الشعب الفلسطيني على ضعف امكانياته وانحسار حدود المناورة في ظل الوضع العربي المبهم، ان يبقى أسيراً للمراوحة في ذات العملية السياسية؟ ولماذا لا يفتح آفاق جديدة واشتقاق اساليب مغايرة للتكتيك المتبع؟ أليس العالم وخاصة اميركا واوروبا بحاجة الى الشعب الفلسطيني كما الشعب الفلسطيني بحاجة لهم؟ أم ان الفلسطينيين مرهونين لاموال الدعم؟ اليس ما يقدمه العالم رشوة للشعب الفلسطيني مقابل ما تعرض له على مدار ستة عقود ونصف من المعاناة والنكبة؟ واليس ما يقدمه العالم للشعب الفلسطيني من دعم مقابل قبوله التسوية السياسية؟ اليست قضية الشعب العربي الفلسطيني اهم حلقة من حلقات السياسة في المنطقة؟ وهل يمكن للعالم ان يضمن الهدوء في المنطقة دون حل القضية الفلسطينية حلا مشرفا يأخذ بعين الاعتبار الحد الادنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية؟ والى متى يمكن رهن المصالح الوطنية للمنطق الاميركي - الاسرائيلي؟ ولماذا لا تفكر القيادة في التفكير الجدي في خيارات سياسية جديدة مستفيدة من مجمل العوامل الوطنية والعربية والاقليمية والدولية؟ والى متى سيبقى التنسيق الامني مع اسرائيل؟ وسؤال اساسي لا بد من طرحه على الذات هل كان خيار التسوية بما قام على اساسه (اتفاقيات اوسلو) صحيحا؟
وحول العلاقة مع النظام السياسي العربي، هل الوضع القائم صحيحا؟ ألآ تشعر القيادة ان اهل النظام العربي خذلوا القضية والشعب طيلة العقود الماضية، ليس هذا فحسب بل انهم تطاولوا على القيادة والمصالح الوطنية ولم يقدموا الحد الادنى المطلوب منهم؟ وهل المطلوب من القيادة البقاء في دائرة المجاملة للانظمة العربية؟ ولماذا؟ وعلى اي اساس؟ والآ يمكن إعادة النظر في العلاقة من موقع الندية واحترام الذات؟ والآ يمكن فرض الرؤية الوطنية وفرض الدعم الذي يستحقه الشعب من الانظمة العربية رغما عنها كما كان في زمن الثورة والكفاح المسلح حين كانت الثوة تملي ولا يملى عليها؟ ومتى يمكن للعرب ان يستخدموا الاوراق المتوفرة بيدهم للضغط على اسرائيل واميركا واوروبا للتراجع عن منطقه البائس الممتهن للعرب عموما والفلسطينيين ومصالحهم الوطنية والقومية؟
في مناسبة انطلاقة الثورة المعاصرة وحركة \"فتح\" مطالبة القيادة فتح ابواب الحوار الداخلي والوطني العام لمراجعة كل الاليات والسياسات المتبعة في النطاق التنظيمي والوطني. تغنوا بالانجازات ولكن الاهم ان تطرح القيادة اسئلة التحدي لتبقى قادرة على الامساك بزمام الامور واخراج الذات من حالة الوهن والارباك والتعلثم والخشية. لم يعد هناك ما تخشاه القيادة والارض والمصالح الوطنية تتآكل وتلتهم يوما تلو الآخر وهي تراوح في ذات المكان. آن آوان الخروج من شرنقة الازمة والانطلاق نحو آفاق جديدة ونوعية.