شاهدت أمس بانوراما رائعة لمسيرة \"فتح\" بمناسبة الذكرى 47 للانطلاقة عبر فضائية فلسطين، واستمعت إلى وجهات نظر سفيرتنا لدى الاتحاد الأوروبي السيدة ليلى شهيد ود. نبيل شعث ود. حنان عشراوي ونبيل عمرو وغيرهم ممن شاركوا بفاعلية في المسيرة وكانوا جزءًا من المشهد الفلسطيني خلال تلك الفترة. وسرتني موضوعية أولئك الشهود وشجاعتهم في انتقادهم للأخطاء التي ارتكبتها القيادة خلال المسيرة، عندما أشارت د. عشراوي إلى تغاضي أبو عمار عن المفسدين، وإصراره على التمسك بهم، مما أدى إلى التمادي في الأخطاء واتساع دائرة الفساد، وعندما أشارت الأستاذة ليلى شهيد إلى مساوئ أوسلو التي أقلها عدم تطرقها إلى الدولة الفلسطينية، أما الخطأ الأكبر فكان وقوف القيادة إلى جانب صدام حسين في غزوه للكويت في أغسطس 1990. هنالك بالطبع أخطاءً أخرى لم يتطرق إليها الفيلم وأبطاله، وهي أخطاء أكل عليها الدهر وشرب، لكن بالإمكان تداركها مع عام 2012 الذي سيكون بإذن الله عام الدولة الفلسطينية، لا سيما في ظل ثورات الربيع العربي في مصر وسوريا التي يتوقع المراقبون أن تتبلور ملامحها خلال العام بما يؤهلها للعب دور أكثر إيجابية وأكثر فاعلية بالنسبة للقضية الفلسطينية، على الأقل للتكفير عن الأخطاء التي أرتكبت في حق القضية، خاصة من قبل البعث السوري، وخطأ كامب دافيد الذي كان نقطة التحول في تراجع مسيرة الثورة الفلسطينية نحو التحرر والاستقلال، عندما أخرج مصر من دائرة النزاع العربي الفلسطيني، مما سهل على إسرائيل الانفراد بالفلسطينيين وغيرهم، ولنا أن نشير بهذا الصدد أنه لولا \"كامب ديفيد\" لما تمكنت إسرائيل من غزو واحتلال عاصمة عربية (بيروت). فيما اكتفت مصر مبارك بالمشاهدة عن بعد، فيما هبت بكل عتادها للتصدي لصدام حسين في احتلاله للكويت. وأنا بالمناسبة أستغرب من بعض كتابنا وأدبائنا ومفكرينا الفلسطينيين الذين يبدون تعاطفهم مع نظام الأسد، إذ يبدو أن أولئك الإخوة نسوا وتناسوا الدور السوري البعثي في قتل آلاف الفلسطينيين على يد الموارنة وأمل، ويكفي فقط الإشارة إلى دور الأسد الأب في مذبحة تل الزعتر.
الخطأ الكبير الذي يمكن لمصر تصحيحه الآن، هو البدء في حملة سياسية ودبلوماسية وإعلامية للمطالبة بعودة قطاع غزة إلى الحكم المصري مثلما كان الوضع قبل حرب 67، وكذا مطالبة الأردن بعودة الضفة الغربية بما في ذلك القدس للحكم الأردني حيث تم احتلال تلك المناطق عندما كانت تحت العهدة الأردنية، ومن الطبيعي أن تعود لها، ثم تسليمها للفلسطينيين. والحقيقة المرة إننا لم نكن نفهم أن الاعتداءات الإسرائيلية على المناطق الفلسطينية والانتهاكات المتكررة للحقوق الفلسطينية بما في ذلك الاستيطان والإبعاد والتعدي على المياه الإقليمية، وسرقة الأراضي والآثار ..الخ يعتبر نتيجة أن الوجود الإسرائيلي في تلك المناطق لا يعتبر احتلالاً لأراضي دولة أخرى، لأن تلك الدولة الأخرى (فلسطين) لا تعتبر موجودة على أرض الواقع - ولا حتى في الخريطة الدولية - في نظر القانون الدولي، ومن هنا يمكن فهم أهمية خطاب أبو مازن في الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي الذي كان هدفه الأساس الحصول على عضوية كاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، ولا أعرف كيف كانت تلك الحقيقة غائبة عن قيادتنا طيلة تلك السنوات الطويلة. لذا فإن المنطق يفترض في حالة تعثر حصول فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، مبادرة مصر والأردن إلى المطالبة بالأراضي الفلسطينية المحتلة في حرب 67 لأنها كانت تقع تحت حكمهما إداريًا بالنسبة لمصر وضمن المملكة الأردنية الهاشمية بالنسبة للضفة الغربية والقدس العربية، ثم تسليمهما إلى منظمة التحرير الفلسطينية وإعلان الدولة الفلسطينية العتيدة على تلك الأراضي بعاصمتها القدس الشريف، وحيث يفترض حينئذ الحصول على الاعتراف بها من قبل الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ودول عدم الانحياز، بما يمهد لها الطريق أمام العضوية الكاملة في الأمم المتحدة بعد أن تصبح حقيقة واقعة.
يمكن القول تفاؤلاً أن العام 2012 هو عام تصحيح المعادلات الفلسطينية، وما يدعونني إلى التفاؤل مبادرة \"حماس\" بتصحيح مسارها، وهو ما تمثل في أن تكون القاهرة – وليس دمشق- المحطة الأولى في زيارات (أبو العبد)، وأن تكون اسطنبول، وليس طهران، وجهته بعد القاهرة. ما زلت أؤكد أن لدينا – نحن الفلسطينيين- خيارات كثيرة وسبلاً متعددة لتحقيق أهدافنا المتعثرة، لكن ذلك يتطلب أولاً وجوهًا جديدة وعقولاً مستنيرة ورجال أكفاء يتحلون بالوطنية والصدق والشجاعة لقيادة مسيرتنا نحو الدولة العتيدة ويعملون على تفادي أخطاء الماضي بدءًا من وقف عجلة الفساد والتخلص من مراكز القوى التي ترى أن من مصلحتها تأجيل حل القضية إلى أجل غير مسمى.