يميل الإخوانيون، الى التعيير وتسجيل النقاط، في السجال مع منافسيهم، وذلك لمجرد الرغبة في هز صدقية الطرف الآخر. ويتبدى المثال واضحاً في مصر منذ الآن، إذ بدأوا بالسلفيين، فعيّروهم بـ \"الارتداد\" عن \"مبادىء\" يقولون إن الخلاف عليها، كان سبباً في خروجهم من صفوف الجماعة. وفي علمنا أن أمر الخروج كان لأسباب كثيرة أخرى. وعندما ننظر الى هذه \"المبادىء\" التي \"ارتد\" عنها السلفيون في رواية منافسيهم الإخوان، نجدها تتعلق بتحريم سلفي سابق، للغناء، وللعمليات الانتخابية، ولاستخدام الصور. وبدل أن تشجع \"الجماعة\" التقدم السلفي على طريق النضج المديني والسياسي؛ تراهم يعيّرون السلفيين، ليس بلغة الحريص على تشجيع الاجتهاد الفكري، والتكيف مع العصر، وتيسير الأمور وفقه الموازنات بين الحلال والحرام؛ وإنما بلغة الحانق على استخدام خصومهم للغة مقبولة، واستخدامهم للصور في الدعاية الانتخابية، بل ولدخولهم الانتخابات بقوائم مستقلة، بعد أن كانوا يحرّمونها. فقد كان الناخبون المؤيدون للسلفيين، سيعطون أصواتهم لأم احديدان التي خلا لها الميدان الإسلامي في البلاد. معنى ذلك أن مسطرة القياس عند أخذ المواقف، هي حزبية بامتياز، لا شرعية ولا فقهية. ويتوقع مراقبون، أن يستحوذ الجدل الفقهي، بين الكتلتين الأكبر، في البرلمان المصري المقبل، على الجزء الأعظم من أوقاته، لا سيما وأن المهمة الجديدة والحاسمة، هي وضع دستور جديد. فالإخوانيون، يريدونها دولة لا مناص من وصفها بـ \"المدنية\" وإن كان ذلك على طريق التمكين. فبعد هذا التمكين، تنفتح الأبواب على مصاريعها لتفسيرات مفهوم \"المدنية\" وتدور الدائرة على القوى الأخرى، الليبرالية والديموقراطية والوطنية المسيحية. أما السلفيون، فإنهم يلمّحون عن طريق بعض ناطقيهم، أن الدولة التي يريدونها، هي ذات \"مرجعية إسلامية كاملة في المبادىء والأهداف\". وخشية أن يظهر السلفيون وكأنهم أصدق التزاماً بأحكام الشرع، أطلق الرمز الإخواني الأول، بالوناً للإرباك، فقال ما معناه، إن \"الجماعة\" ماضية على طريق إقامة دولة الخلافة. عندئذٍ يتولى المكلف برئاسة الحزب السياسي الإخواني، تبديد المخاوف وفقاً لمقتضيات المرحلة. فالإخوان المسلمون متدرجون في سعيهم، وهم يتدرجون في كل بلد. يُعطى الهامش لحزب سياسي، ينبثق من بين ضلوعهم، لكي يلعب من خلاله المرن والتوافقي براحته في ساحة السياسة، وصولاً الى الصدارة في الدولة. وبحكم التزامات الدولة وتعاقداتها، يزهذ الحزب المرن نفسه، في موقع الرئاسة، انتظاراً للمزيد من التمكين، وتحاشياً للاضطلاع بمهام توجبها التزامات الدولة وتعاقداتها. وتظل لعبة الحكم، هي جوهر الأوقات المقبلة، على حساب قضايا التنمية في قطاعات الحياة والخدمات والتشغيل. وفي هذا السياق، يكون الاختلاف مع رئيس الجمهورية، المقيد بقيود الدولة وأزماتها، موضوعاً أثيراً للاستحواذ على المزيد من إعجاب الناخبين.
في معركة الدستور، ستكون المواجهة الأولى، بين الإخوان والسلفيين، وسيكون جميع ممثلي القوى الأخرى، أضعف من التأثير في الصياغة، وستكون المواد المقبولة للقوى الأخرى، بمثابة أعطيات إخوانية للقوى النافذة في الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة. غير أن المسار كله، من شأنه إدخال مصر في مرحلة من الجدال واللغط، الذي سينشأ في الفجوة الفاصلة بين الدولة والحكومة التي يشكلها منتخبون، فازوا عبر صناديق الاقتراع..!