سعت الأحزاب الوطنية التحررية في فلسطين ومن بعدها الإسلامية إلى الارتقاء بالمصلحة الوطنية ودمجها بالمصلحة الحزبية، بحيث أصبح المفهوم الوطني العام يؤسس للمفهوم الحزبي الضيق، فمصلحة الشعب مرتبطة ارتباطاً كُلياً بذاك الحزب أو بذاك الشخص الذي من دونه من الممكن أن تُصبح القضية الفلسطينية غير موجودة في هذا العالم.
وبالرغم من تعالي المصلحة الحزبية على الوطنية والمصلحة العامة، نجد أن الكثير من رجال السياسة يتحدثون عن مصالحة وطنية من أجل المصلحة الوطنية، لتجنيب البلاد ويلات الحرب والاقتتال، وفي نفس الوقت نجدهم يوقعون على التصالح ويعملون على الأرض بخلاف ذلك.
في الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى في العام 1987، كنا نجدُ فصائل وأحزاباً منصهرة بشكل كامل مع تطلعات الجماهير الفلسطينية التواقة الى الحرية والتحرر من جبروت الاحتلال، فتارةً تُشكل قيادة موحدة لإدارة الانتفاضة الشعبية وإسناد المواطنين والالتحام معهم، وتارةً أخرى يجري تشكيل لجان شعبية في الأحياء، تسعى لمتابعة أحوال المواطنين ونشر الأمن وتنفيذ أوامر القيادة في الخارج والتي كان مفادها \"احرصوا على تتبع متطلبات الشعب ومصالحه\".
كما وجد انصهار بين كافة الأحزاب ضمن هدف واحد هو التحرر من الاحتلال لا الوصول إلى سدة الحكم والإمساك بزمام الأمور، كما هو الآن.
ليس غريباً أن تنجح إسرائيل بإيجاد ما \"يلهينا\" كشعب وقيادة عن هدفنا الوطني، أو لِنقُل عن مصلحتنا الوطنية والتي تكمن في المصالحة الداخلية، وتجُرنا إلى \"صغائر الأمور\"، وتجعلنا نُمسك بها ونتعنت عند الحديث عنها، لاسيما الوصول إلى سُدة الحكم من خلال الانتخابات بما فيها الانتخابات الرئاسية والتشريعية وأيضاً البلدية، وفي طبيعة الحال كل ذلك يجري تحت نظر إسرائيل التي ما زالت تحتل الأراضي الفلسطينية وفي ذات الوقت لا تُهاجم \"الديمقراطية\" الفلسطينية كونها تزيدها قوة بفعل تفريقها الشعب الفلسطيني وفصائله كي تجعلها تركض وراء السلطة والحكم وتتناسى أو تحرف بوصلتها عن الهدف الرئيس وهو مجابهة الاحتلال والتحرر.
في الانتفاضة الأولى، ما كان الوضع كما كان لولا ولاء الشعب والقيادة إلى القضية الفلسطينية التي أصبحت \"شماعة\" الفصائل للوصول إلى سُدة الحكم والتمتع بنعيمها تحت عباءة الدين تارةً وعباءة العلمانية أو الوسطية تارةً أخرى، ونحن لا زلنا نخضع بأرضنا وجونا ومائنا واقتصادنا ومأكلنا ومشربنا وكراسينا تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي.