امتنعنا طويلاً عن التعليق على بعض الضيم الذي يلحق بالموظفين الحكوميين من قطاع غزة. واليوم بدأ الحديث عن موال آخر يستهدف هؤلاء الموظفين، كفرض التقاعد المبكر أو إعادة هيكلة الرواتب. وبالطبع لم يكن الانتقاص السابق من حقوق موظفي قطاع غزة، دستورياً مثلما لم يكن جائزاً سياسياً وأخلاقياً. أما الانتقاص المفترض لاحقاً، فإن من شأنه إفقاد مؤسسة إدارة الجهاز الحكومي، كل مصداقية، وإفقادها كذلك حق الإلزام، ويفضح انتقائية تطبيقها لإجراءات تتأسس عليها تدابير مالية متعسفة، ضد الموظفين تؤدي الى إشقائهم.
في الحقيقة، وقبل التلميح بتوجهات إقصائية جديدة، كانت هناك حاجة للتذكير بأنه طال أمد التجاهل لبعض الحقوق الوظيفية، لمنتسبي الجهاز الحكومي من قطاع غزة، وأبسطها المساواة مع زملائهم في التدرج على سلم الترقيات الوظيفية، الدورية والاستثنائية، وفي العلاوات البسيطة المتعينة لهم ولأسرهم، ومنها ما يعاند نواميس الحياة، كإضافة المواليد أو الزوجات بالنسبة لمن يتزوجون وينجبون، أو علاوات ارتفاع مستوى التأهيل العلمي وغير ذلك. ويتملكني إحساس بالحرج، للتأخر في طرح هذه المسألة، وآمل أن يتفهم الأبناء الأعزاء، من شبابنا في قطاع غزة، السبب في التأخر، وهو أنني من أبناء هذه المنطقة، وأخشى أن تذهب الظنون بأصحاب النفوس الرميمة، الى تعليل مناطقي سخيف، يجعلني منافحاً عن موظفي غزة دون سواها، علماً بأنني تناولت مراراً، مظاهر ونعرات، يعبر عنها أصحاب ذات النفوس، وتطال الفقراء من أبنائنا العاملين في رام الله، والقادمين اليها من مناطق أخرى. إن هذا أمر مؤسف، لا سيما في وطن صغير، يُفترض أن يكون الناس فيه إخوة، عمّدوا أخوتهم بالتساند في الكفاح، وببذل الغالي والنفيس، في سياق العطاء النضالي الواحد، غير القابل للتجزئة!
* * *
رُب متفذلك، يفسر وقف الترقيات، لمنتسبي الجهازين العسكري والمدني، من قطاع غزة، بأن هذا هو الأمر الطبيعي بالنسبة لموظفين لا يعملون. ويتناسى المتفذلكون، أن قرار الاستنكاف عن العمل، صدر من أعلى السلطات الحكومية في رام الله، وأذكر أن الناطق باسم الحكومة، التي تشكلت بُعيد الانقلاب الحمساوي في غزة، قد أردف الأمر الصادر عن الحكومة بالاستنكاف عن العمل مع \"حماس\" بعبارة حاسمة قاطعة: \"من يلتزم بالشرعية تلتزم به\". ونام الموظفون على وسادة الاطمئنان بأن شرعيتهم لن تخذلهم، ثم بدأت بعد نحو سنتين، نُذر التخلي والخذلان، حين سُمح لممثلي \"حماس\" في جلسات الحوار، بأن يتحدثوا عن \"استعداد كريم\" من جانبهم بعد المصالحة، لاستيعاب بعض عناصر الجهاز الوظيفي، الذين استنكفوا، في حال تكرم الحمساويون بالموافقة على المصالحة أصلاً. وكانت الترجمة الإدارية لهذا التوجه، في رام الله، من خلال تثبيت المفردات الوظيفية، عند لحظة إدخال اصحابها، بقرار سياسي، الى موضع التبريد أو التجميد. وطال أمد السكون، لكن الناس صبرت لم تكن سعيدة لعدم قيامها بأي عمل، لأن التنبلة منافية للفطرة البشرية السوية. وحافظ الموظفون على تفاؤلهم انتظاراً ليوم يعودون فيه الى العمل، فيما خط الحركة الإدارية، في الجهاز الوظيفي، يتعمد الابتعاد عن ملفات موظفي غزة، ليصبح الأقل رتبة أو مرتبة، بعدة درجات عن زميله، مديراً عاماً أو عقيداً، يعلو عليه بعدة درجات. كل ذلك وموظفو الحكومة في غزة، يتحملون، ويباهون بحركتهم الوطنية، وبوزاراتها وبأجهزتها المدنية والعسكرية، ويلتزمون الوظيفة السياسية، التي أنيطت بهم، واتخذت شكل تنفيذ الأمر بالاستنكاف عن العمل!
ولعل أكثر ما يغيظ، فيما يتوقعه واحدنا من تعليلات، لوقف حق الحراك الوظيفي للعاملين من قطاع غزة، هو القول همساً، بأن المصالحة ستؤدي الى استيعاب 31 ألف موظف من \"حماس\" في غزة، وبالتالي يصعب على السلطة أن تستوعب جهازي عمل حكومي كاملين مجتمعين من غزة وحدها. هنا، يكون صاحب القول الحاسم، بأن من يلتزم بالشرعية تلتزم به، قد قلب الدفة، فأعطى لمن أنقضوا على الشرعية، حقوقاً وظيفية كاملة لا يستحقونها، وبالمفردات والدرجات التي منحوها لأنفسهم، و\"حَلَق\" لمن التزموا بالشرعية على \"الزيرو\" ولم يعيدهم حتى الى وضعهم قبل التجميد، وهذا ليس من شيم الحركات الوطنية!
الإقصاء شمل الدورات والابتعاثات بالنسبة للجهاز العسكري، مثلما طُبق الى حد ما، في المنح الدراسية والدورات في الجهاز المدني. وعلى كثرة ما غيرنا وبدلنا، في تشكيل الهيئات القيادية الفتحاوية، في قطاع غزة؛ لم نعزز المكانة الأدبية للإخوة العاملين في هذه الهيئات، بتمكين أعضاء هذه الهيئات، من تنسيب طالب أو اثنين في السنة لكلية شرطة، مكافأة لأسرة فتحاوية خسرت معيلها أو دفعت ثمناً باهظاً، أو إعطاء الهيئة القيادية الفتحاوية، أمام قاعدتها الاجتماعية، مكانة معنوية بجعلها قادرة على تنسيب مجموعة من الطلاب النابغين من أبناء الشهداء وأبناء المناضلين والمتضررين من وضعية الانقلاب، الى منح دراسية. فعلى صعيد الشرطة، والابتعاثات لكليات عربية، يقال علناً:لا يؤخذ أي طالب من غزة. وقيل هذا الكلام هذه السنة، وبعد توقيع المصالحة بمعنى أن الطالب سيتخرج كضابط شرطة في ظروف مغايرة. وللأسف إن حدثت استثناءات، فإنها تكون أسوأ من الإقصاء، لتضمنها مخالفات أطاحت بالشروط والمعايير، نربأ بمؤسسة الشرطة أن تقع فيها، ونربأ بأنفسنا أن نجيء على ذكرها.
لا نرغب في الإسهاب في أي تفصيل من هذه العناوين، لكننا نطالب بحق مساواة موظفي السلطة من قطاع غزة، بإخوتهم من كافة المناطق، على أن تشمل المساواة الجهازين المدني والعسكري. ونقول لمن يحيكون المسائل بليل، على قاعدة مناطقية، لا يغرنكم سكوتنا، فقد زدتم كثيراً ولم يعد واحدنا يحتمل. لذا لن يتاح لكم بعد الآن أن تختصوا فئة أو منطقة بتدابير إقصائية أو بإجراءات تنتقص من حقوق موظفين. أما حكاية التقاعد المبكر وتحقيق التقشف، فإن أردتموها، فليس أمامكم إلا وقف عقود العمل الخرافية والتضخمات الجديدة في دوائركم البيروقراطية التي اكتظت بالأبناء والبنات من الأسر المتخمة والمحاسيب، وإرجاع التعيينات الى الأصول الإدارية التي تبطلها أو تضعها على السلم الطبيعي للدرجات. أنتم الذين قلتم للموظف من غزة، إن الأمر الصادر لكم من الشرعية هو أن لا تعمل مع حماس، ومن لا يلتزم بالشرعية لن تلتزم به. وأنتم الذين قطعتم رواتب بحجة عدم الالتزام أو شبهة عدم الالتزام. تأتون اليوم للتحايل على هؤلاء الموظفين، مرة بوقف حقوقهم الوظيفية الدورية والطبيعية، ومرة بالتفكير بالخلاص منهم لإفساح المجال لمن انقضوا على الشرعية؛ فإن هذا لن يتحقق لكم ولن يمر. بالعكس نحن نطالب الآن برد كل حقوق موظفي قطاع غزة، عاجلاً، وإن تأخرت هذه الحقوق، فلن ننشغل إلا بها، على صعيد القضايا الداخلية، فنرجوا أن تأخذوها من قصيرها، وأن تتبعوا العدل والرُشد!