قديما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (عجبت لمن لا يجد في بيته قوت يومه كيف لا يخرج للناس شاهرا سيفه).. وهو بذلك يعطي الغلابا والمقهورين في كل زمان ومكان الحق في الدفاع عن حقهم في الحياة الحرة الكريمة، وكذلك يعطيهم الحق بالثورة من اجل تحقيق أمنهم الغذائي، بل والحق في تغيير نظم حكمهم والسياسات القائمة التي تتصف بأنها فاقدة للعدالة الاجتماعية..
وفي بلادنا فلسطين وحيث نعيش مضطرين في ظل ثنائية فريدة (شعب وسلطة تحت الاحتلال).. وحيث تتولى أمور حياتنا الداخلية سلطة وطنية فلسطينية-- كان من المفترض بها أن تنتهي في العام 1999 لتقوم مقامها دولتنا الفلسطينية-- وهي الدولة التي دفع شعبنا ومازال الدم من اجل إقامتها، وما زال صامدا ببسالة يقاوم ويتحدى الاحتلال وكل محاولات الإفناء .. في بلادنا نرى أن حكومتنا الفلسطينية وبسياساتها الاقتصادية لا تسهم بما يكفي في عملية تعزيز صمودنا، في وقت يحتدم فيه الصراع مع المحتلين ومستوطنيهم..
إن السياسات الاقتصادية التي تقوم بتنفيذها الحكومة (وعكس ما تقوله الحكومة عن نفسها) أدت إلى إفقار الفقراء، وفي زيادة الفجوة الطبقية بين الناس، وأسهمت في استفحال ظاهرة البطالة، وهي ضربت القطاع الصناعي بفتحها أبواب الاستيراد على مصراعيها-- تحت شعار أننا اخترنا نظام الاقتصاد الحر والسوق المفتوحة-- مما أدى إلى إغلاق مئات المصانع والورش، التي كانت تنتج سلعا فلسطينية تغطي السوق المحلي، وتوفر فرص عمل لآلاف الشباب والخريجين والعمال.. وهي الآن تستعد لتوجيه ضربة كبيرة للقطاع الزراعي، ستقصم ظهره، وتؤدي إلى إفلاس آلاف المنتجين الزراعيين، بسبب ما عدلته من قوانين فرضت الضرائب على القطاع الزراعي، وهو القطاع الأكثر أهمية وحيوية لأنه مرتبط بالأرض (محل الصراع بيننا وبين المحتلين).. ويقف المزارع الفلسطيني اليوم لينظر بمرارة كيف يقوم رئيسه أبو مازن بالمصادقة على هذا القانون في حين أمامه ومنذ مدة طويلة قانون التامين الزراعي ولم يصادق عليه.
ومن عجائب سلطتنا الوطنية- التي لا هم لها إلا جمع الضرائب- أنها وفي ظل هذه الظروف الصعبة التي تحتدم فيها المعركة مع المخططات الإسرائيلية، الهادفة لنهب ما تبقى لنا من ارض، واقتلاع شعبنا من جذوره، عبر سياسات التطهير العرقي كما هو ممارس في مدينة القدس ومناطق الأغوار.. في هذه الظروف التي تتعالى فيها أصوات الكل الوطني الفلسطيني لتعزيز المقاومة الشعبية، وتوسيع دائرة المشاركين في أنشطتها.. تخطط هذه الحكومة لتطبيق قانون جديد يفرض التقاعد على أكثر من 26 ألف موظف في القطاع الحكومي الفلسطيني (مدنيين وعسكريين ).. وهو ما يعني في حالة تنفيذه قذف 26 ألف أسرة فلسطينية في المجهول وتعظيم جيش العاطلين عن العمل..
ولم تقف الأمور عند هذا الحد، إذ تجتاح بلادنا موجة غلاء في الأسعار تتزايد يوما بعد يوم، لا تفعل الحكومة ما يكفي لمواجهتها، وتصم آذانها عن الأصوات المطالبة بتخفيض الضرائب عن السلع الرئيسية (من مواد غذائية رئيسية ومحروقات وأدوية).. هذا إضافة إلى الرسوم الجديدة التي تفرضها على المواطنين وقطاع التجار، ورفع قيمة الرسوم الحالية..
إن ما تمارسه حكومتنا الفلسطينية من سياسات تمس الأوضاع المعيشية للجماهير وخاصة العمال والمزارعين وذوي الدخل المحدود، يعطي الحق لهذه الفئات لخوض النضال ضد هذه الحكومة دفاعا عن مصالحها.. وهو نضال مشروع وحق لكل المظلومين.. وبما أن الحكومة تصم آذانها وتمعن في سياساتها المجحفة-- يكون من حق الشعب النزول إلى الشوارع في تظاهرات عارمة للاحتجاج ضد الحكومة، وللضغط من اجل إحداث التغيير.