لعل شهية تقسيم بعض الدول العربية، بدأت تظهر بشكل جلي وواضح بعد انفصال جنوب السودان عن شماله، وبعد ظهور فيدراليات جديدة في العراق، وتلويح كردستان باقتسام النفط الواقع في الشمال مع الدولة المركزية، والتهديد الذي اطلقه الرئيس اليمني الجنوبي السابق علي سالم البيض يوم الاول من امس عندما قال: ان جنوب اليمن قرر الاستقلال عن الشمال واستعادة دولته التي كانت قائمة قبل عام 1994 مؤكدا ان شعب اليمن قد حدد خياره بشكل قاطع وواضح لا رجعة فيه انطلاقا من حقه المشروع.. وهو خيار الحرية والاستقلال واستعادة الدولة كاملة السيادة.
فهذه التوجهات العربية تهدف الى تجسيد النظرة الامريكية والاوروبية بل الاسرائيلية بضرورة تقسيم الدول العربية بغية اجهاضها والحد من تحقيق الوحدة العربية التي تعتبر الامل المنشود من اجل مواجهة التحديات والمؤامرات التي تحيكها الدول الكبيرى لتفتيت عضد هذه الامة وتكريس مبدأ الانفصال والذي بدا واضحا في قضية انفصال جنوب السودان والذي كانت من ثماره زيادة التعاون بين الجنوب واسرائيل واقامة تمثيل دبلوماسي مع هذا البلد العربي الجديد الذي ساهمت دول عربية في هذا الانفصال.. وخاصة الراحل العقيد القذافي الذي بذل كل ما يستطيع من اجل تفكيك السودان وفصل جنوبه عن شماله.. والذي اخذت اسرائيل على عاتقها في التدخل في الجنوب عبر مشاريع استثمارية وعسكرية واقتصادية متنوعة.
فمطالبة علي سالم البيض بانفصال الجنوب اليمني عن الشمال، لا يقل خطورة عما جرى في السودان لانه يكرس مبدأ التقسيم والتجزئة، جراء الاستفزازات الكبيرة والانتهاكات الخطيرة التي اقترحها الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في اليمن، من اعمال اجرامية ادت الى قتل الالاف من المواطنين وانهاء البنية التحتية لليمن، فضلا عن ان هذا الانفصال المؤلم –ان تم- فانه سيكون بمثابة جرح جديد في خاصرة الامة العربية، لأنه يجيء كما قال البيض جراء الاعمال الاجرامية التي ارتكبها نظام علي عبدالله صالح في تعز وارحب وصنعاء وصعدة.. وغيرها واصبح صالح مطلوبا للعدالة الدولية، وهو من دفن وحدة اليمن وتقدمها واستقرارها وازدهارها!
لقد سعى قادة الدولة العربية في مطلع الستينات الى ضرورة تحقيق الوحدة العربية انطلاقا من التوصية التي ننشدها وهي الايمان بانه الشعب العربي واحد تجمعه الثقافة والتاريخ والجغرافيا والمصالح وبأن دولة واحدة ستقوم لتجمع العرب ضمن حدودها من المحيط الى الخليج.. وقد جسدت هذه الحركة بالناصرية في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر والتي تميزت بقيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية وشهدت محاولات وحدوية اخرى حيث اكتسبت القومية العربية مدا جديدا شعبيا نتيجة الثورات العربية وظهور تيار شعبي عربي يدعو لوحدة عربية انطلاقا من التراث المشترك من اللغة والثقافة والتاريخ والدين الاسلامي، وهذا التوجه الذي كان العرب ينشدونه هو اشبه بالمشروع الاوروبي والذي يضم حاليا حوالي 27 دولة انصهرت في كتلة ذات سياسة خارجية موحدة.. وذات ثقل اقتصادي كبير يقوم على التكامل الاقتصادي والعملة الموحدة وحرية انتقال الافراد والبضائع بين الاقطار المختلفةّ!
والواقع ان الغزو الامريكي للعراق وما خلّفه من مآسي وويلات للشعب العراقي اسهم في تفكيك العراق وسعي بعض المحافظات الى اعلان الفيدرالية وهو ما شكل ضربة قاصمة للتعاون والاتحاد في هذا البلد بعد سقوط الرئيس الراحل صدام حسين حيث اقدمت حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي باعداد دستور جديد يقوم على مبادىء التقسيم والتجزئة تحت شعار \"الفيدرالية\".
فالمطلوب لانقاذ العراق من التقسيم الابتعاد عن الترويج للفيدرالية وعن التعصب العرقي، وهو امر صعب كما يقول بعض الساسة بسبب سوء الاوضاع في العراق اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وتردي مستوى التعليم وانتشار الفوضى والعنف وانقطاع الكهرباء وهي عوامل كلها تؤجج في اذكاء الكراهية والضغينة والنعرات الضيقة.. فضلا عما خلفته الادارة الامريكية من اشكالات لا يمكن القضاء عليها في هذا القطر العربي الكبير!!
فالمطلوب من الجامعة العربية العمل الجاد والمخلص من اجل وقف نوايا الانفصال او الفيدرالية او التجزئة للدول العربية لان مثل هذه التقسيمات او الانفصال بين ابناء البلد الواحد هي خطوات طالما حلمت به السلطات الاسرائيلية حتى انها اسهمت في تفتيت الوحدة الافريقية بسبب ظهور النعرات المحلية على غرار الطائفية والقبلية والاثنية في اقطار عديدة.
ان الواجب يقتضي التصدي لاعمال الانفصال او التجزئة خاصة وان الثورات العربية التي تشهدها الدول العربية والتي سبق ان قامت على الظلم والاستبداد والفساد كما هو الحال في ليبيا ومصر تونس والعمل لانجاز مشروع تحديثي وديمقراطي لتجسيد مشاريع الوحدة والحد من التجزئة عن طريق التعاون العربي الفاعل والحد من الاعمال التي تحول دون تحقيق المنجز الديمقراطي.
الامل كبير في التصدي لعمليات الانفصال في هذه المرحلة وبذل كل الجهود لتجسيد وحدة الدول وتقدمها وازدهارها خاصة وان التجزئة غير مشروعة تاريخيا وجماهيريا ويجب ان يتصدى لها المجتمع العربي بمزيد من الاصلاح الديمقراطي والثقافي والقيم الاخلاقية المشتركة.