أجواء قاتمة تغطي الساحة الفلسطينية نتاج مشاريع الاقتراحات والخطط، التي تحاول الحكومة الشرعية بقيادة د. سلام فياض إقرارها لسد العجز الكبير في مداخيل السلطة المالية، وابرزها مشروع اقتراح \"التقاعد المبكر\"، الذي اعتبره الدكتور \"ابو خالد\" بمثابة \"حافز\" وليس عقاب، وايضا مشروع اقتراح رفع الضريبة وخاصة على اصحاب الرأسمال الوطني، كي تتمكن من تجاوز مضاعفات الازمة المالية الخانقة، التي تهدد بعدم وفاء الحكومة بالتزاماتها في حال تواصلت تداعياتها تتفاعل.
مما لا شك فيه ان السلطة الوطنية موضوعيا تعيش ازمة خانقة، حتى لو اوفت الدول المانحة بالتزاماتها المالية في دعم موازنة السلطة، لان دعم الدول المانحة المفترض ان يكون الاستثناء، وليس القاعدة، لأن الركيزة الاساسية، التي من المفترض ان تستند لها الموازنة والدخل القومي.. اولا التحرر من الاحتلال الاسرائيلي، وهو ما يعني التحرر من التبعية المطلقة للاقتصاد الاسرائيلي.. وثانيا الاستثمار في مجالات الحياة المختلفة الاقتصادية والصناعية والزراعية والسياحية، وخلق قواعد الاقتصاد الوطني والسوق الوطنية من خلال تشجيع الاستثمار وبناء قاعدة تنموية صلبة في ميادين الاقتصاد.. وثالثا تعزيز التبادل التجاري والاقتصادي مع الدول الشقيقة والصديقة.. ورابعا طرح العملة الوطنية (الجنية الفلسطيني) والتحرر من العملات الاجنبية المفروضة على المواطن الفلسطيني، وتأثيراتها السلبية على الاقتصاد الوطني والمواطن الفلسطيني على حد سواء. وفي السياق تطوير النظام الضريبي الوطني، الكفيل بالمحاكاة الموضوعية لحاجات البلد والمواطن دون تزيد هنا او تزيد هناك.
لكن مع استمرار الاحتلال الاسرائيلي، وعدم تمكن الحكومة من الاستثمار الكلي للثروات الطبيعية في الارض (لا سيما وان مايوازي 62% من مجموع الاراضي المحتلة عام 67 مازالت تحت سيطرة سلطات الاحتلال الاسرائيلية، ولا تستطيع السلطة الاستثمار بها نهائيا، وهي الاراضي المسماة \"ج\" او \"سي\") والبحر وفي الصناعة والسياحة والموانيء والمعابر الفلسطينية، وعدم التمكن من الغاء اتفاقية باريس وتبعاتها السلبية على الاقتصاد والمواطن الفلسطيني، ونتيجة لعدم وفاء الدول المانحة وخاصة الدول العربية بالتزماتها المالية لموازنة السلطة الوطنية، وايضا لاستمرار الانقلاب والانقسام بين جناحي الوطن. لذا فإن الازمة المالية باقية ومتواصلة. غير ان الحلول لا تأتي وفق ما طرح من قبل الحكومة، لان التعاطي مع الازمة كارقام باردة وجافة، ووفق فلسفة تبسيطية معادلها (1+ 1= 2) لا تخدم لا الحكومة ولا الموظف ولا الشعب عموما فقرائه واغنيائه، بل تعمق من الازمة وتخلق فجوة كبيرة ببين الحكومة والشعب بما في ذلك، لا بل في مقدمتهم قطاع الوظيفة العمومية.
سد العجز في الموازنة لا يتم بزيادة الضرائب على المؤسسات الصناعية بشكل اسقاطي، غير واقعي، ولا يتم من خلال رفع الضرائب بشكل غير واقعي على الدخان والمعسل السلع وغيرها من المواد الغذائية، في ظل تآكل مستوى دخل الفرد، وفي ظل ازمة سياسية داخل المجتمع الفلسطيني، رغم وجود انفراج نسبي في ملف المصالحة، الذي اذا قدر للفرقاء المختلفين من طيه، فإن الانتخابات التشريعية والرئاسية ستكون على الابواب، الامر الذي يستدعيي من اركان الحكومة الانتباه ومراعاة العلاقة مع الجمهور الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة، وليس لي ذراع الشعب، وتجفيف جيوبه في فصل الشتاء وبرده القارس، كما تستدعي الضرورة الانتباه للازمة المتصاعدة تدريجيا بين منظمة التحرير ودولة الاحتلال الاسرائيلية وحتى مع الرباعية الدولية نتيجة إنسداد افق التسوية السياسية وخيار حل الدولتين للشعبين على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 67، وفي ظل الحالة العربية المشوشة والمربكة، التي تعكس نفسها على عمليات الدعم الحقيقي للشعب الفلسطيني وسلطتة الوطنية.
كان الاجدر برئيس وزراء الحكومة الدكتور سلام فياض، على اهمية خبرته وكفاءته الاقتصادية وتجربتة الطويلة كوزير للمالية في السلطة الوطنية، والتقدير العالي ، الذي حصل عليه من المؤسسات المالية الدولية، ان يدعو مجموعة من خبراء الاقتصاد والمال الفلسطينيين وعرض الازمة عليهم، والبحث معهم عن حلول واقعية كفيلة بأخذ كل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والسيكولوجية لصياغة رؤوية وطنية تتضافر فيها كل الجهود مع الحكومة ورئيسها والدفاع عنها امام ما قد ينشا في الشارع الفلسطيني. وعلى اهمية الاعلاميين الذين التقاهم الدكتور فياض، فإن جلهم ليس له علاقة بالاقتصاد او علم المال، بالتأكيد لكل منهم وجهة نظر، لكن ليسوا هم جهة الاختصاص التي يمكن ان يركن اليها في تبرير المطروح من قبل الحكومة. لان التهمة لهم جاهزة، انهم \"ابواق\" للدكتور فياض او غيرها من التهم غير الموضوعية، التي قد تطالهم. كما ان هناك رأي بات ينتشرر في الاوساط الشعبية وحتى بين النخبة السياسية، ان رئيس الحكومة لانه يعرف انه مغادر الحكومة، فهو يقوم بتضخيم الازمة المالية لالقائها على عبء الحكومة القادمة، بهدف ارباكها وتعطيل مسيرتها مسبقا؟! فضلا عما قيل عن موضوع قطاع غزة، والتضحية بموظفي الوظيفة العمومية، الذين لا ذنب لهم لا من قريب او بعيد بالاضراب، بل هم التزموا بقرارات الحكومة، وعلى الحكومة والسلطة ان كانت معنية بالتزاماتها ان تحاكم من اتخذ قرار الاضراب ومواصلته، لا ان ترفع سيفها في وجه الموظف وابناء الشعب في القطاع، الذين كان يجب ان يتواصل قرار اعفائهم من الضرائب كما اشار دولة الدكتور سلام في لقائه مع برنامج \"حكي على المكشوف\"، وبالتالي لا يجوز ترداد المقولات الخاطئة وغير الدقيقة عن ما تجبيه السلطة من محافظات القطاع، لان في ذلك تحميل للمواطن الغزي، الذي ابتلي بالانقلاب وبالحالة الفلسطينية وفشل السياسات الوطنية تجاههم، اكثر مما يحتمل.
ورغم ان المرء ليس خبيرا اقتصاديا، ولا ضليع في علم المال، إلا ان هذا لا يمنع من طرح بعض الاقتراحات، التي إن اصابت فسيكون لصاحبها حسنتين، وان لم يصب فعلى الاقل سيربح حسنة الاجتهاد، وهي:
اولا: الشروع باتخاذ الاجراءات الكفيلة باعادة النظر في اتفاقية باريس الاقتصادية مع دولة الالحتلال الاسرائيلية.
ثانيا: البدء فورا وبدعم من الرباعية الدولية بالاستثمار الواسع في الاراضي الفلسطينية المصنفة \"ج\" او \"سي\" من خلال توسيع رقعة الارض المزروعة ووضع خطة تنمية حقيقية تقوم على الشراكة الحقيقية بين القطاع العام والقطاع الخاص، وايضا من خلال بناء المشاريع الاستثمارية العمرانية والصناعية وتطوير الاستثمار في السياحة وتوسيع فرص العمل وتقليص حجم البطالة، ومقاطعة العمل في المستوطنات، وايضا مقاطعة البضائع المزروعة او المصنوعة في المستوطنات.
وثالثا: استخدام لغة جديدة مع الدول المانحة لارغامها على الالتزام بدفع الاستحقاقات المالية المترتبة عليها لموازنة السلطة الوطنية. وعدم خشية الانظمة العربية، التي يبدو انها لا تأتي باسلوب المناشدة، لأن الانظمة لا تفهم لغة الاسترضاء والتودد، انما تفهم لغة اخرى جميعنا نعرفها، وهي كفيلة بوضع حد لحالة الاستهتار العربية بالمصالح الوطنية الفلسطينية.
ارتباطا بما تقدم، فان على رئيس الوزراء ومستشاريه الماليين مراجعة الخطوات التي اتخذوها، لان نتائجها السلبية اكثر من الايجابية، وانعكاساتها السلبية على شخص سلام فياض اكثر من الايجابيات التي يتوقعها او يتوقعها من قدم له النصح بالخطوات التي اقدم عليها وحاول تسويقها في الشارع الفلسطيني. ومازالت فرصة المراجعة ممكنة وقابلة للتحقيق قبل فوات الأوان.