المفاوضات التي سميت بـ \"الاستكشافية\" في عمان بين السلطة الفلسطينية واسرائيل، برعاية اردنية واطلاع من جانب الرباعية تأتي في ظل تطورات وأجواء تفرض تساؤلات عدة، حول الاسباب والاهداف والدواعي، وحقيقة ما يجري، خاصة وأن الساحة الفلسطينية لم تعتد المصارحة من جانب قيادتها ومسؤوليها، رغم ادراك هذه الساحة بالعراقيل والتحديات وتعنت الطرف المقابل على طاولة المفاوضات..
لكن، التطورات في المنطقة ومواعيد \"حاكمة\" في الولايات المتحدة واسرائيل وما تعانيه الساحة من أزمات، يدفعنا الى القول، هل هذه المفاوضات التي سميت بـ \"الاستكشافية\" هي استئناف للمفاوضات رغم التسميات وتصريحات التفسير والتقديم والتبرير.. وصولا لحلول لن تكون لصالح القضية واصحابها والساحات ذات العلاقة، وذلك في ضوء ما يجري ترتيبه بين أطراف عربية في واشنطن، وهي تحركات وترتيبات تؤكد أن الهدف الاساس للاحداث في الساحات العربية، هو انهاء الصراع مع اسرائيل وفق المقاييس والاجندات الاسرائيلية.
ما تشهده المنطقة، هو محاولات مستميتة من جانب حكام الخليج لشطب الدور المصري والسوري، والابقاء على الدماء نازفة في الساحة العراقية والاندفاع نحو تقسيمها واشعال حروب طائفية فيها، كما هو مرسوم للساحة السورية، وهذا التوجه مدعوم أمريكيا واسرائيليا.
وأيضا، هناك طبول الحرب تدق لضرب ايران من خلال تحالف اسرائيلي أمريكي خليجي، وتحركات مرعبة لتفجير الساحة اللبنانية، واستمرار للانقسام في الساحة الفلسطينية رغم الاحاديث \"الدعائية\" عن اقتراب المصالحة من جانب طرفي الصراع.
وهناك اقتراب الاستعدادات لانتخابات رئاسية في الولايات المتحدة، وانتخابات داخلية وعامة مبكرة في اسرائيل، وهذه أجواء تعني ان تحريك المفاوضات تحت أي مسمى، هو مجرد تخدير والهاء في ساحة لها تداعياتها الكبيرة في حال تفجرت الاوضاع ردا على التعنت الاسرائيلي والتغول الاستيطاني الذي أوشك على التهام القدس بالكامل.
أمريكا ترى في الاستكشافية أو المفاوضات المباشرة ورقة تدعم أوباما انتخابيا ، واسرائيليا، تعني منح نتنياهو ورقة ورقة لترتيب وضعه داخل حزبه، ومع الاحزاب الاخرى بشكل يضمن له ولاية ثانية تسبق نتائج الانتخابات الامريكية، رسالة الى اوباما بأنه أمسك بولاية ثانية، فلا داعي لممارسة اية ضغوطات حتى ولو كانت خفيفة وناعمة، وهذا ينطبق على ساركوزي العضو في الرباعية التي أوكلت اليها لفترة محدودة القيام بهذه المهمة.
وأما فلسطينيا فان جرح الانقسام لم تتم معالجته بعد، والانشغال على المستوى القيادي بهذا الجرح أكثر منه بحقيقة ما يجري على طاولة التفاوض، والتراشق بالاتهامات يبقي على دوامة الحيرة التي باتت لا تطاق، وطرفا الازمة في حالة انتظار لما تسفر عنه الاحداث والتطورات في الساحات المحيطة.
هذه المفاوضات التي يقال انها ىتسحب البساط من تحت أقدام موعد السادس والعشرين من الشهر الجاري، واستنادا الى دخول القيادتين الامريكية والاسرائيلية حلبة الانتخابات والاستعدادات لها فان المفاوضات لن تسفر عن شيء، بل هي \"عامل راحة\" للمرشحين في واشنطن وتل ابيب، وهذا ما مهدت له الرباعية عندما نصبت طاولة التفاوض في العاصمة الاردنية يلتقي خلالها اسبوعيا اسحق مولخو وصائب عريقات، في نهاية كل جلسة يدفع كل منهما بتقريره الى رئيسه، وبين جلسة واخرى تنطلق التصريحات من الجانبين، وهي تصريحات متضاربة تسمية وجدول أعمال ونتائج، دون ذكر للاشتراطات التي على ما يبدو ذابت وتلاشت في ظل التهديدات والوعود والتمنيات والمخاوف.
استئناف المفاوضات وان سميت استكشافية \"مع ان الاستكشاف مستمر منذ اكثر من سبعة عشر عاما\".. باتت مادة لتصعيد الاتهامات بين حماس وفتح، مشكلة عائقا آخر في طريق المصالحة التي لا يراها الجانبان المتصارعان، فكل في بيته مرتاح، يحتضن نصف الكعكة، ولا اهتمام لشعب يكتوي بنار الانقسام المفجع.
ان ما يجري من اتصالات ومفاوضات وتحركات ولقاءات مباشرة وغير مباشرة بين السلطة واسرائيل، مغطاة بضبابية كثيفة، والمصارحة غير متوفرة، والدوران في الحلقة المفرغة مستمر، في حين تجثم على الشعب أوضاع اقتصادية شرسة وصعبة، لا تظهر في الافق حلول لها، وهي اوضاع تستغلها جهات عدة، لمنافع ذاتية وشخصية وليس بحثا عن حلول جدة حقيقية يتم التوصل اليها بتضافر جهود الجميع.
أما المصالحة وأخواتها أو بناتها من انتخابات وهيكلية منظمة التحرير وملف المعتقلين ، وغيره من الملفات فهي ليست في وارد طرفي الصراع.. وأي منهما تنقصه المصارحة والشجاعة لوضع الشعب في حقيقة الاهداف والنويا.
في مرحلة ما، وخشية على المواقع وبفعل هدير الشارع في التعاطي مع المناسبات الوطنية تراكض المتصارعون يمدون الايدي للمصافحة، وعندما تتبدد الغيوم يعودون الى تبادل الاتهامات وخلق الذرائع والدواعي استغفالا واستهبالا واستخفافا للشارع الذي لم يعد أمامه الا أن يكسر حالة الصمت والانتظار ومتابعة مسلسل المشاهد المخزي من الجانبين.
ليس في الافق بوادر مصالحة حقيقية، والنوايا الحسنة غير متوفرة، والمفاوضات عادت الى مجاريها دون شروط، ولن تكون هناك نتائج، وهذا وضع مريح لاسرائيل وامريكا والقيادة لا حول لها ولا قوة، وكل ما تفعله هو تغذية الخلاف مع حماس تارة، وفتح أبواب الأمل تارة أخرى، مماطلة وعجزا وعدم رغبة، وهكذا الامر بالنسبة لحماس، والجانبان لا يمتلكان الجرأة على اظهار النوايا الحقيقية، ومصارحة الشعبـ، وهذا الموقف بحاجة الى حل جماهيري نتمنى أن يأتي قريبا.
أليس من حق شعبنا أن تصارحوه، وتوقفوا مشاهد اللعبة التي لم تعد تقنع أحدا، أليس من حق شعبنا أن ينهض لوقف هذه المسرحيات التي تستخف بعقول أبنائه!
وبوضح، ان استمرار الانقسام هو في صالح قيادتي حماس وفتح... فالانقسام يمنع خروج ابناء الشعب الى الشوارع والميادين مطالبا بسقوط هذه القيادات.. لكن، هذا الشعب ليس عاجزا عن ابتكار الحلول في مواجهة قيادات تهزأ بقدراته وتهدد امكانياته وتلحق الضرر بقضيته وحقوقه