اسفرت انتخابات تايون التي جرت قبل أيام، عن مكوث \"ما ينغ جيو\" في موقع الرئاسة بأغلبية 51.5%. وفي الانتخابات التشريعية المتزامنة، فاز حزب \"الكومنتانغ\" الذي ورث الفائز \"ما\" زعامته، عن \"شيانغ كينغ كو\" نجل الزعيم الصيني \"شانغ كاي تشيك\". ومن يدقق في مواويل الزعيم الجديد، يرى الى أي مدى، باتت أفكار الخصومة و\"التياسة\" فاقدة للصلاحية. فحزب \"الكومنتانغ\" وزعيمه الأول \"شانغ\" كانا على الطرف المقابل، من صراع مديد مع \"ماو تسي تونغ\" قبل انتصار ثورة الأخير، ولجوء الأول الى بحكومته الى جزيرة تايون في العام 1949 لكي يؤسس فيها \"جمهورية الصين الوطنية\" الموالية للغرب الرأسمالي.
ايامها ولعقود طويلة، كان هناك طرفان متصارعان، لا يطيق واحدهما الآخر. وعلى مر تلك السنوات، ظل واحدهما مُبطلاً لوجود الآخر أينما حل واحتضنه أحد معسكري الحرب الباردة. وفي ذلك السياق الطويل، توغلت الصين الشعبية في خيارها الشيوعي، وحتى عندما تقبلت بيكين، اقتصاد السوق ورتبت نفسها للتعايش مع الرأسمالية والإفادة منها؛ فقد زاوج النظام الشيوعي بين الانفتاح الرأسمالي والقبضة الستالينية، وركز في خطط النمو، ومن داخل \"النظرية\" على مجاميع السكان الريفيين، للحفاظ على العمالة الرخيصة الوافرة، دون تغيير في سمات الحياة الاجتماعية للسكان.
أما نظام الحكم في جزيرة تايوان، فقد مضى هو الآخر ي خياره الرأسمالي الليبرالي، وظلت الملامح الأساسية لمنهج الحكم، مغايرة تماماً لمثيلاتها في الصين الشعبية. وعلى هذا الطريق صعد نجم كادر مالي واقتصادي وحقوقي، مثل \"ما ينغ جيو\" الذي عمل في \"وول ستريت\" معقل الرأسمالية الأمريكية، وخدم في البنوك ودخل في تعاريج الفساد، وفي أسرار التوحش الرأسمالي، قبل أن يعود الى تايوان، لكي يتولى رئاسة بلدية العاصمة تايبه، ويماس بعض العفونة، ومنها الى المناصب الأقرب لرأس النظام \"شيانغ كنغ كو\"!
في إعادة انتخابه، كانت مأثرته تتلخص في سياسته حيال الصين الشيوعية، وهي سياسة بُنيت على المصالح أولاً وثانياً وعاشراً. فالرجل أيقن بأن عصر الايديولوجيات قد انتهى، ولم يعُد \"طق الحنك\" ينفع صاحبه ولا يُشبع خبزاً. لذا قطع مع تراث العداء المديد بين الصينيتين (الأرض الكبرى والجزيرة) و\"حَلَقَ\" لأدبيات الأب المبجل والزعيم التاريخي \"شانغ كاي تشيك\" وثرثرات ابنه من بعده، والتزم منهجاً تصالحياً!
كان على هذا الصعيد عملياً سريع التنفيذ، وليس مثل الأمم الأخرى عندما تتحدث عن مصالحات سلحفائية الحركة. أنهى الحظر على الارتباط مع الصين الأم، بمواصلات بحرية وجوية، وباتصالات بريدية، وأبرم مع بكين، ما يشبه صفقة لمنطقة تجارة حرة، سرعان ما أتت أكلها، إذ أصبح عدد الرحلات الجوية الأسبوعية بين الجمهوريتين الصينيتين 550 تربط الجزيرة باليابسة في الوطن التاريخي. وتدفق على تايوان مليون وثلاثمئة ألف سائح صيني في العام 2011 وربما ذهب هؤلاء بحثاً عن أنماط يقلدونها أو لثقافة وفنيات يستزيدون منها. وأقفل حساب التبادل التجاري بين البلدين، في العام المنصرم، على 150 مليار دولار، بينما ظلت تجارة تايوان مع صديقتها الهند، تراوح بين الستة والسبعة مليارات.
الهنود أخذوا منهج التصالح على أرضية المصالح، وباتوا ينظرون الى حكاية الصين الشعبية مع تايوان، مثالاً يحتذى في مسألة التنمية. فالنمر الآسيوي الذي تمثله تايوان، حقق دخلاً للفرد يضاهي دخل اليابانيين في قوته الشرائية. وبات الهنود يتحدثون عن مشتركات بين الاقتصادين الهندي والتايواني، تستحثهم على الإستفادة منها، وتنتظر من يسعى ويفعل. من بين هذه المشتركات، قوة الهنود في مجال برمجيات الحاسوب، بينما هناك قوة لافتة لتايوان في مجال انتاج الطاقة والصناعات الإلكترونية. وهناك آفاق استثمارية كبيرة في الهند، ورساميل كبرى في تايوان، ستكون بالنسبة لأصحابها أكثر أمناً مما هي عليه في الصين. ودعا قطاع الأعمال الهندي الى إيلاء تايوان المزيد من الهتمام السياسي، والتخلي عن سياسة الحذر، التي لم تعد معتمدة في علاقات الجميع بالجميع في القارة الناهضة. وقد جاء فوز \"ما ينغ جيو\" بمثابة إشارة لمن هم حول تايوان، بأن المصالح والشراكة، باتت هي معيار المسائل، فلا خصومات قائمة بوحي من أيديولوجيات، ولا مصالحات قائمة على ثرثرة من كلام. فالكل يتقصى مصالحه ومنفعة بلاده وشعبه، ولا قائمة للتصالح، إن لم تدفع اليه مصالح ورؤى، على الطريق الى الأفضل، لا على الطريق الى الخيبة..!