لسنوات ماضية ونحن غارقون في السؤال اللا نهائي، سؤال البحث عن كوة صغيرة في الافق المغلق دون اجابة.. سؤال الانسان العادي والمثقف والاكاديمي، وللاسف سؤال قياديين اذا كانوا هم لا يعرفون اين ذاهبون فهل سيعرف المواطن المسحوق تحت ضغط الحياة ويومياتها التي تزداد فتكا ماديا ومعنويا بالانسان التائه الذي يبحث عن اجابة على سؤاله اليومي فقط هل سيفتح الشارع؟ هل ستنخفض الاسعار؟ هل سيجد ابني عملا بعد انهاء الجامعة هذا الشهر؟ هل يوجد شرطة على الطريق؟ هل سيمنعون العمل في المستوطنات؟ واين سنعمل؟ وما شاء من الاسئلة، وكلها لا تقول سوى سيادة الفلسلفه الوجودية بلا فلسلفة عند الناس الذين لم يعودون يقرأون او يستمعون للاخبار، باستثناء خبر الراتب الذي يشد الاغلبية..
زيادة كبيرة على الرواتب..
الراتب ليس سؤال الموظف فقط وانما ايضا سؤال التاجر الذي يقول: السوق يتحرك لعدة ايام على نغمة الرواتب وبعدها يعود كل شيء مملا ورتيبا بانتظار بداية الشهر القادم.. والموظف يضغط على بطنه بعد منتصف الشهر مباشرة كي يصل لنهايته باقل مديونية ممكنة كي يدخل الشهر القادم بحمل خفيف من الديون يصلح لابقاء شيء من الاستمرار في الوجود.. والتاجر صار يهرب نحو الامام بعد ان صارت الشيكات هي اللعبة المالية الوحيدة التي تسمح له بشيء من الهروب والذي دونه يتوقف وينهار رغم مخاطر اللعبة المعروفة لخبراء المال والاقتصاد، وهو هروب على أمل ان يكون الافضل او ربما يأتي قدريا ومرة واحدة وهو نوع من المخدر الذي يجعله يركض نحو الامام، واي امام لا يعرف ولا يعرف ان نسبة الدخل تنخفض ونسبة الصرف ترتفع وان كان بشكل بطيء ومتدحرج، وهو طريق نحو مأزق قادم يتم ترحيله باستمرار دون معرفة اين سيصل او كيف ستكون نهايته، لان (لا احد يعرف اين هو ذاهب) فقط الكل يركض في هذه الحياة ويحمل على ظهره حملا ثقيلا ولا خيار امامه سوى الركض نحو الامام، لأين هو ذاهب؟ لا يعرف.. اليست هذه الفكرة التي تقوم عليها الفلسفة الوجودية من كير كيجرد الى جان بول سارتر وصديقته سيمون دي بوفار؟ أي افتقاد الحياة لمعناها وطعمها بفعل الضغوط، ضغوط الاحتلال، وضغوط الخارج، وضغوط الفصائلية المفلسة، وضغوط البرجوازبة الطفيلية المصطنع’؟!
هذا العنوان الفرعي لا علاقة له بما تحته سوى في المضمون الذي هو نوع من العبثية او العدم الذي يجعل الانسان يفكر بمنطق غريزة الاكل والبقاء وبرجزة صناعية فوقية تحمل معها حتمية الانهيار والقريب ولكن لها مصالحها.
سلطة ثابتة... ومقاومة متغيرة
عند المشهد الحاضر لا يوجد سوى سلطتين متناحرتين.. لا يوجد من هدف سوى المحافظة على نفسيهما، وهما في القمع الداخلي تحت يافطة ضبط الامن تمارسان اشد انواع الاسقاط، لا عقليا او جنونيا.. وهو كما يقول علم النفس نوع من التنفيس عن الضغوط الخارجية للاحتلال بالهروب من المواجهة نحو القمع الداخلي، والنماذج اكثر من صارخة: هدم البيوت والاعتقالات والاعدامات والتعذيب وهي في القياس العقلاني تندرج في اطار رد الفعل المريض ولا في اطار اية سياسة سوى سياسة التبرير عبر الاعلام الحزبي الممنهج والمثير للاشمئزاز او عبر الكتاب الذين يمارسون سياسة النكاية سواء للسلطة في القطاع او الضفة، وهي في الحالة الفلسطينيية مرحلة كشف العورات والاكاذيب والتضليل لتصبح الحقيقة قابلة للاجتهاد والافتاء وهي الحقيقة التي لا تقبل اي شيء سوى ان تكون الحقيقة.
اول ضحايا السلطة، اية سلطة، المقاومة ومعنى ذلك التأقلم مع الاحتلال والاكتفاء بالوضع القائم ومحاولة مستمرة للحفاظ عليه دون فائدة، لا الاحتلال في الحالة الفلسطينية هو احلالي اجهازي للارض والانسان وحركة المقاومة "حماس" اكتفت بقطاع غزة محاصرا وغارقا في الجوع ومستهدفا بالعدوان قتلا وهدما، وحركة "فتح" اكتفت بالضفة او بما تبقى منها وهي تحاول الحفاظ على هذا الباقي دون فائدة، لان الضفة عند الاحتلال مياها وموقعا واحلاما توراتية وهيكلا ومشروعا استيطانيا وصل لمداه جغرافيا وسكانا، وبنية تحتية متكاملة وفوقها بنية اقتصادية استثمارية، كل يوم تصل لمدى جديد كما يدل مشروع القطار.
المشروع السياسي الوحيد الموجود على الارض بعيدا عن الفذلكات هو مصادرة الارض والاستيطان وعدوانية الاحتلال قواته ومستوطنيه ضد الارض والشعب الفلسطيني، ولا يوجد عند الفلسطينيين غير مشروع الصمود وهو مشروع اذا ما تم الدخول في التفاصيل سيتم اكتشاف العكس تماما دون افتراض سوء النية كما يفعل الرديحة والسبيبة الذين ينظرون علينا صباح مساء بان الطريق لتحرير فلسطين سواء فلسطين 67 او +48 يمر عبر القضاء على "فتح" او عبر القضاء على "حماس"، فالذين يعتقلون ويعذبون ويحرمون من حقوقهم المدنية هم الضحايا لهذا الفكرالارتزاقي التدميري للانسان والقضية.
هروب من النار نحو الجنة..
تعرف الاغلبية ان الفكر الفصائلي السلطوي هو وصفة سحرية لاستمرار ضياع الارض والشعب، ولكنها الاغلبية التي صارت وفقا للعبة المصالح الغريزية: غريزة الاكل وغريزة التسلط (المخترة) غير قادرة على التحرر من ربقة العبودية للراتب في ضوء تأميم الشعب وربطه باموال الخارج، كل انواع الخارج، على حساب الاقتصاد الذي كان ليضحي غير قادر على مواجهة اقتصاد الاستيطان سوى بالقرارات دون السؤال كيف ولماذا وصلنا لهذه المرحلة، التي بدلا من اشباع السوق والتصدير للخارج صرنا نستورد من المستوطنات صناعة وزراعة؟ سؤال يعود نحو السياسة بعيدا نحو الوراء وبعيدا من الاجابة عليه لان العقلية الفهلوية هي الحاضرة.
تقول السلطة في القطاع اذا اردتم الهروب من النار ما عليكم سوى اتباع طريقي التي وحدها توصل لجنة التحرير والانتصار والاقتصاد المزدهر.. اما اذا اتبعتم طرق سلطة الصفة فانتم هالكون في نار الاحتلال، والعكس هو العكس، لان طريق "حماس" هو طريق النار فاي طريق سيسلك الناس؟
هم يعبرون ممرا اجباريا من لم يسر على الخط المستقيم.. عليه ان يجوع والخط المسقيم هو خط السلطة دون انتقاد وما شابه مع فرق واضح بين السلطتين ان الحرية في الضفة موجودة بمتسع غير متوفر في كل الدول العربية، بينما في القطاع لا يوجد سوى الخط المستقيم وقلق دائم عند صاحب القلم من ان يشط قلمه قليلا لانه سيجد نفسه في السجن.. هذا الحديث بالتأكيد لا يعجب الذين وحدهم يمتلكون مفتاح الجنة.
الطريق نحو جهنم..
ماذا حقق الشعب الفلسطيني من السلطة؟!
سؤال ستختلف الاجابة عليه بين الفئه المستفيدة وبين الفئة المتضررة في ضوء الثقافة الحدية السائدة، ثقافة نفي الآخر ونهجه بين اغلبية متضررة ومرتهنة في حياتها ومصالحها للسلطة، وبين اقلية اشبعت شهوتها المادية والتسلطية وغير قادرة على التضحية بمصالحها مهما كان الثمن الوطني.. الجميع وبلا استثناء يقولون الانقسام تدمير للقضية أرضا وشعبا، والجميع يقول: نحن نعيش الكارثة وان الاحتلال لم يفعل ما يفعله بفرضية الانقسام والحرب على السلطة.
طيب، لماذا لا تبادر سلطة القطاع بحل نفسها او تضحي بالسلطة من اجل الوحدة؟ ولماذا لا تفعل سلطة الضفة ذلك؟ لا توجد اجابة سوى انهم يعرفون انهم ذاهبون نحو جهنم وماضون في الطريق دون كثير اكتراث او قلق للثمن الذي يدفعه الشعب ومعه الارض والمستقبل..!!
ان مجرد ذكر كلمة حل السلطة ستوحد السلطتين في خندق واحد ليهتفون في كورس "واحد تعيش السلطة" لسبب بسيط ان اصحاب القرار هم المستفيدون ومن الطبيعي ان يدافعوا عن مصالحهم..! أليس هذا هو واقع الحال؟!