بحكم الثلاثين عاما التي قضيتها في مهنة المتاعب، والاسم الذي ربما لا يعرف الناس عن صاحبه الكثير، تلقيت دعوة كريمة من الزميل خالد ابو عكر لحضور مؤتمر في أريحا محوره تفعيل نقابة الصحفيين الفلسطينيين. وكان في اسفل الدعوة رجاء "بالحضور والتفاعل". في المؤتمر الأول كانت لي مداخلة ضمن البرنامج ولكن هذه المرة كنت مجرد مشارك عادي. لا بأس فأنا لست مختصا بقانون النقابة ولا بنظامها الداخلي. فما الإضافة التي سأقدمها لو أنهم حشروا اسمي حشرا بين المتحدثين ورؤساء الجلسات خلال الأيام الثلاثة التي استغرقها المؤتمر؟!
على أي حال شكرا لخالد. علما بأن علاقتي بالنقابة السابقة كانت هامشية، ومن خلال معرفتي بالزميل نعيم الطوباسي الذي كرمني ذات عام مع نفر من الصحفيين الشباب والمخضرمين. ومهما كانت الآراء مختلفة في نعيم وقدراته المهنية، فقد كان شهما في تعاملاته، وحاول جهده دفع الصحفيين لتفعيل النقابة. لكن المواقف المسبقة للكثيرين منهم جعلتهم "حياديين" على أقل تقدير تجاه جهوده لا سيما أن مدة الهيئة الإدارية السابقة طالت وطالت كثرا جدا...
وقد لا أكون خبيرا في الشأن القانوني النقابي، والحقيقة أنني لست خبيرا والاعتراف بالحق فضيلة- لكن هناك أساسيات للعمل النقابي الصحفي أومن بها وأرددها باستمرار، ولن أخفيها على من يقرأ هذا المقال، صحفيا كان أم غير صحفي.
فالصحافة مهنة يعتاش منها من يتخذها حرفة. والمفروض أن تتوفر له لقمة العيش الكريم والشريف، و تتاح له الظروف المناسبة لأداء عمله، وأولها الحرية وهي رأس مال الصحفي. حرية الوصول إلى الحدث، وحرية صياغة الخبر، وحرية التعبير عن موقفه من الحدث.
وفي كل المجتمعات النامية أو "النايمة"، تخشى الأنظمة الحاكمة من قدرة الإعلام على التأثير وتغيير قناعات الجماهير، ولذلك تفرض طوقا من الحديد أو من الذهب حول عنق الصحفي. والصحفي الأضعف في مجتمعنا هو الصحفي المستقل، الذي لا ظهر له يسنده ويدفع عنه.
في البلدان الأخرى وبغض النظر عن تبعية الإعلام الناجح للرأسمالية المستغلة، هناك هامش من الحرية للصحفي ليعبر عن مواقفه. هناك هامش للانتقاد وللرأي الآخر، وهناك مجال ليعيش الصحفي المحترف من مهنته عيشة كريمة ومشرفة. وهناك نقابات توفر للصحفي الفرص للتقدم والتفاعل مع زملائه ومع العالم ككل، وتحميه من الاستغلال ،وتغطي حقوقه قانونيا مهما بلغ من قوة وسطوة من يهددون تلك الحقوق.
القطاع الصحفي الفلسطيني مفتت ومشتت، وكل واحد يغني على ليلاه. كل واحد يفكر في نفسه ومصلحته ومن بعده الطوفان.
القطاع الصحفي الفلسطيني مقسم مثل فلسطين بين الفصائلية والحزبية وتعدد وسائل الإعلام من محررين ومراسلين ومصورين ومنوتاجيين وصحف مقروءة وإذاعات وفضائيات وانترنت ومدونات، وبين القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، وبين اليسار واليمين والوسط. وأميركا وروسيا وايران و...و...و......
سفينة نوح على نطاق أوسع وأحدث وأكثر تناقضية وتصارعية بكثير.
النقابة الفعالة مطلب صحفي منذ عدة عقود. ولكن كيف يمكن أن تكون النقابة فعالة؟!
ما لم تكن النقابة مستقلة فلن تكون فعالة. ربما تنقصها الموارد المالية اذا كانت مستقلة، لكن هذه الموارد مفروض أن تأتي من اشتراكات الصحفيين وعددهم ليس بالقليل.
بالإمكان وضع رسم على اصدار البطاقات الصحفية، ورسم آخر على تراخيص مزاولة المهنة. لكن الصحفيين لا يلتزمون بدفع ما يستحق عليهم، والسبب بسيط :أنهم لا يرون فائدة تذكر من الانتساب للنقابة.
ربما تستقطع الاشتراكات من رواتب الصحفيين مباشرة في مؤسساتهم، وهذا يحتاج نعاونا بين هذه المؤسسات والنقابة. علما بأن بين بعض هذه المؤسسات وبين النقابة ما صنع الحداد.
وينقلنا هذا إلى تعريف من هو الصحفي. خلال اليوم الذي شاركت فيه بالمؤتمر قلت إن الصحفي هو الذي يعتاش كليا من عمله الصحفي. أما الذي يعمل في مهنة أخرى فيكون عضوا في نقابة المهنة الرئيسة التي يعتاش منها.
المؤهلات العلمية مهمة، لكنها ليست شرطا ما دام الشخص يعمل في الصحافة، وهي مصدر رزقه.
طرحت فكرة أن تصبح النقابة مظلة لعددمن الجمعيات أو النوادي المتخصصة مثل جمعية المصورين الصحفيين وجمعية المراسلين المحليين والعاملين في مؤسسات إعلامية أجنبية جمعية المونتاجيين وموظفي الصف والتدقيق والانتاج والإخراج والعامين في الإذاعة والتلفاز والانترنت وغيرهم كثير. ويكون لكل جمعية مندوب أو أكثر في الهيئة العامة للنقابة.
هذه هي المهنية المطلوبة في العمل الصحفي التي يجب أن تنعكس بوضوح في النقابة. أما الفصائل الفلسطينية فتدخلها وفقا لما تقرره الانتخابات.
وبالمناسبة فالانتخابات قضية معقدة يتوجب الاتفاق عليها وهل تكون وفقا للمحاصصة أم فردية، أم غير ذلك. وما يتفق عليه الصحفيون هو الذي يجب أن ينفذ دون ضغوط خارجية.
المهم أن الملف فُتح، وهذا بحد ذاته جيد.
والمأمول أن يُغلق على خير، ولما فيه مصلحة الصحفي الفلسطيني، والصحافة الفلسطينية.