راديو المنار من فلسطين :: عين أبي..!! بقلم: وفاء عبد الرحمن
وسط نابلس- مجهول يطلق النار على مواطنين فيقتل أحدهما ويصيب الآخر       "أبو مازن" يبدأ غدا مشاورات لتشكيل حكومة غير فصائلية       باحث إسرائيلي: الاحتلال كلف الفلسطينيين أكثر من 107 مليار دولار       مناورة لجيش الاحتلال لاخلاء جرحى من ميدان المعارك في قطاع غزة       يديعوت:السفارات الاجنبية في اسرائيل تضع خطط طوارئ تحسبا لوقوع هجمات صاروخية       الطقس: اجواء باردة نسبيا واحتمال سقوط زخات من المطر       حزب الله الرابح من الناحية العسكرية..جنرال اسرائيلي:سقوط نظام الأسد سيؤدي الي زعزعة إقليمية خطيرة جدا       اتهام نساء الجن بخطف شاب عماني بمغارة جبلية       إسرائيل ستدمر نفسها قبل إيران..هآرتس : يجب طرد نتنياهو او تدخل القوى الخارجية لإخراجه من الحكومة       كوت ديفوار تخشي اندفاع الشباب المالي في قبل نهائي النسخة رقم 28 لكأس الأمم الإفريقية       وفد الأردن يتوجه للبحرين اليوم للمشاركة ببطولتها الدولية للتايكوندو       خمسة فرق تبحث عن لقب " نصف الدوري " في المرحلة الأخيرة من الدور الأول للمسابقة العُمانية       الاضراب يشل الحركة في المرافق العامة الاسرائيلية       اردوغان يوصي بشار للمرة الاخيرة: ماجرى بحمص سيُدفع ثمنه عاجلاً أم آجلا       مؤتمر دولي بمصر يدعو لاقامة دولة فلسطين ويقدر خسائر الاقتصاد بـ7بليون$       الاتحاد الأوروبي والسويد يقدمان 24,7 مليون يورو لرواتب المتقاعدين       مستشار الرئيس عرفات يعلن ترشحه رسميا لانتخابات الرئاسة الفلسطينية       هروب السعودي كشغري من بلاده .............       دول التعاون الخليجي تطرد سفراء سوريا       اعتماد تحصيل رسوم استيراد على بعض السلع الكمالية التي تدخل عبر معبر كرم أبو سالم .      

جديد المقالات
 
حالة الطقس

استطلاع الرأي
من المسؤل عن احداث بور سعيد
<
المجلس العسكرى
النظام المخلوع
اليافطة
حكمة اليوم
~ عصفور بالإيد أحسن من عشرة على الشجرة ~



  

لأبي عين ليست ككل العيون، بها يبتدئ العالم وبها ينتهي.. عبرها مر تاريخ جيل، بل أجيال، بكل ما يحملوه فرادى وجماعات من تاريخ شخصي وعائلي.

عين أبي متخصصة بلحظات الحب، والفرح.. عين أبي ذاكرة خزنت تاريخ عائلات، دموع وضحكات، وليد جديد، عائد بعد طول غياب، عروس تدخل بيتاً لم تألفه بعد، طالب يحمل شهادة تفوقه ويزهو بها، عاشقين يختبئان من أعين الناس لتحفظهما للأبد عين أبي..  عين أبي قلب نابض يحفظ الأسرار.. أسرار الحب والجمال.

كيف لا وهو المصور حامل الكاميرا- هذا الجهاز النادر الذي لم يملكه في غزة حينها إلا أبي ومعلمه-
هو المدعو الثابت المشترك لكل مناسبات الفرح، لا يحتاج إلى تصريح لدخول البيوت المغلقة، تنكشف أمامه أجمل النساء مطالبات بتصويرهن بأجمل صورة، مسرات له بعيوب الوجه والجسد، ومتوسلات أن يعمل سحر كاميرته العجيبة لعدم إظهارها.. يبكين خوفاً وفرحاً مطمئنات لهذا الرجل الغريب الأنيق الذي يصبح الأقرب بمجرد أن يضع الكاميرا على عينه..

أنظر في عين أبي فأرى أفراحاً، أثواب بيضاء تلف خجل ممزوج بالفرح، أرى شباباً مقبلين على الحياة بخوف وحذر يرتدون ربطة العنق المشدودة أكثر من اللازم رغم أن أبي ربطها لهم ووصاهم أن لا يشدوها.. تتبدل الأثواب حمراء، خضراء، صفراء، زرقاء، ومع كل لون تزهو العروس أكثر، وتتخلص من خجلها رويداً رويداً، ويحل العريس ربطة عنقه أكثر.. فهو الآن أكثر ارتياحاً.. الثوب الأسود قصة أخرى.. توتر العروسين يلفه سواد الثوب والربطة التي تم شدها مرة أخرى.. عين أبي ترصد ما لا يرصده الراقصون، ويد أبي تمتد لتترفق بالعنق المخنوقة بالربطة.. يعلمه كيف يربطها وكيف يحلها في زمن كانت الربطات فيه للعرسان وموظفي وكالة الغوث فقط!

أنظر في عين أبي فأرى أطفالا تضحك وتلهو وتحتفل بجلابيبها البيضاء غير أبهة بمقص الحلاق المخبأ في حفلة الطهور، ثم صور البكاء والتوسل.. وآباء يحاولون منع دمعة الشفقة على أطفالهم الباكين.. وأسمع عبر ذات العين الهزيج والغناء، وصوت أم تبكي وترقص في آن.

كما قلت عين أبي عين ساحرة، هي الحواس الخمس مجتمعة لرجل يقدر الجمال ويحبه، وعلي أن أقر، عين أبي لم ترى أجمل ولا أحلى من تلك المرأة التي لمحها يوماً تسير مع أبيها، فأصر إصرار الولد المدلل إما هي وإما العزوبية الأبدية، تزوجها، وبقيت عينه محتفظة بها كأصل الجمال ومرجعيته، لم تتبدل الصورة بمرور الزمن وتغير ذلك الجسد الذي أنهكه إنجاب ثلاثة عشر ذكراً وأنثى.. ألم اقل أن عين أبي ترصد ما لا يراه الراقصون؟ فالجمال ليس جسداً، الجمال خلق، وعقل وبصيرة.. عين أبي ساحرة ومسحورة

أبي رجل صاحب عزيمة، قال له الطبيب أن التدخين مضر بالصحة، فتوقف في لحظتها رغم أنه لم يشكو من أي آثار للتدخين في حينها، هو رجل يؤمن بالطب، ويؤمن ان لأطفاله عليه حق.. زاد وزنه، وقال الطبيب أن الوزن الزائد مضر بالصحة، امتنع عن تناول وجبة العشاء وانتقى أكله بحذر.

أبي بلغ السبعين من العمر ولم يشكو ألماً ولم يدخل مشفى، وفجأة أعلنت عينه أنها أثقلت بكل ما حملت، فحين يقل الفرح وتكبر مساحات الحزن والهم، لا تتسع العين لمزيد من الدمع.. عين أبي تبكي، عينه تبحث عن بعض الجمال في غزة فتلطمها القسوة.. عين أبي تطلب العون من طبيب مستهتر لم يرى فيها أكثر من عين تشبه كل العيون، عين أبي تتألم والطبيب لا يسمع ولا يحس.. عين أبي تصرخ مستجدية، وأبي الصابر الساحر المؤمن بالعلم والطب يخفي ألمه وينفذ حرفياً ما يأمر به الطبيب.. عين أبي تقول له لا تثق بهم.. لا يعرفونك ولا يعرفوني، لا تسلمهم مفتاح الذاكرة، مفتاح الفرح فهم يكرهون الضحكات ويخشونها.. صرخت عين أبي للمرة الأخيرة ثم صمتت للأبد!

أبي أيضاً صمت، قل كلامه، وقلت ضحكاته، وأسلم جسده للسكري والضغط، يقاومها بتعاليم طبيب لا يثق به ولا بكل من يرتدون هذا الثوب الأبيض، ومع ذلك ينفذ أمر "العلم"!

يصر أبي أن زمن المعجزات لم ينتهي، وأن معجزة ما ستعيد لعينه صوتها، ولا أحد منا يجرؤ أن يؤكد له أن الصمت هذه المرة للأبد.. نسأله عن عينه الأخرى متجنبين النظر في أي من العينين مخافة أن تفضحنا تلك الصامتة!

العين الثانية قررت ان تقل من كلامها حزناً على توأمها.. العين الثانية رأت ما رأته كل العيون وحفظت بعض أسرار شقيقتها، هي أيضاً شهدت فرحة أمي وأبي بكل طفل، وكل طهور وكل فرح، هي أيضاً شهدت لحظات وداع لعائلة تشتت ولم تلتقي معاً منذ ثلاثين عاماً.. العين الثانية سجلت الصور ورغم انها لم تذهب أبعد مما تذهب إليه الكاميرا، إلا أنها تعبت وهي مطالبة أن تحمل العبئ الثقيل الذي أورثته إياها شقيقتها.. عين أبي الثانية تخاف من الأطباء في غزة، عين أبي الثانية الباقية تخاف على نفسها من الصمت والموت.

أحاول مع كل العائلة أن نعيد ثقة أبي وعينه بالطب والأطباء لنصطدم بحصار غزة، وسؤال المسئولين عن التقرير الطبي وأين هي المشكلة؟ ولماذا لا يجري العملية في غزة؟ وآه هي مشكلة عين؟ إذن لا خوف يمكن أن تنتظر!

يؤلمني أن يطالب أحدهم بأن أختصر له الحالة بأن عين أبي مريضة! أعلم أن لا وقت لديهم ليسمعوا، ولكني لا استطيع أن أخذل تلك العين، ولا أقبل أن تتساوى مع باقي العيون!

نعم عين أبي بحاجة لعلاج سريع، ولكني أصر أنها عين ليست ككل العيون، هي الساحرة المسحورة، هي الذاكرة الحية لآلاف الناس، وهي مفتاح الفرح لي ولعائلتي ولآلاف العائلات التي تراها كلما نظرت في ألبوم الصور، لتجد عين أبي ترد لها النظرة بابتسامة.. سلمت عين أبي وروحه وقلبه.

للتاريخ..
كان أبي المصور الثاني في قطاع غزة بعد معلمه "كيغام" ولحقه زميله "موريس" طوال سنوات السبعين وحتى منتصف الثمانينات، لا زال دكانه "ستوديو ناصر" -تيمناً بجمال عبد الناصر- قائماً في مدينة دير البلح، علم الكثير من المصورين في زمن تحميض الأفلام والرتوش ومهارة التصوير قبل ظهور الكاميرات الحديثة.

* مدير عام مؤسسة فلسطينيات- رام الله. -

 



|المزيد من جديد المقالات..|