كانت نقية وشفافة وراسخة، تتحدث بطلاقة وبنبرات صادقة وأسلوب جذاب ومقنع بعيد عن الانفعالية والتكلف والمراوغة، وكانت فوق كل ذلك حرة واثقة بنفسها وبكل كلمة تقولها، تنضح بفلسطينيتها التي كانت الدافع وراء انضمامها إلى قافلة الحرية لتعتقل بعد ذلك لفترة من الوقت قبل أن يفرج عنها وتدلي بمؤتمرها الصحفي الثلاثاء 1/6/2010 ظهرًا الذي اعتبره لا يقل أهمية عن خطاب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان التاريخي الذي ألقاه في غضون الوقت نفسه وأثبت فيه أنه فلسطينيًا أكثر من كل قادة السلطة و"حماس"، وعربيًا أكثر من كل رؤسائنا العرب، ومسلمًا أكثر من كل شيوخنا الأفاضل. تلك هي النائبة العربية في الكنيست حنين الزغبي التي أثبتت أنها قيادية فلسطينية من الطراز الأول – رغم هويتها الإسرائيلية، نفتقر كثيرًا إلى أمثالها في مرحلة أصبح فيها الخنوع والاستسلام والانبطاح أرضًا لإسرائيل وأمريكا شيمة قادتنا السلطاويين الذين يحكموننا الآن من رام الله المحتلة.
حنين لا تستفز مشاعر الجماهير بالاستعلاء عليهم والقدرة على نفخ عضلات الوجه واستعراضها بطريقة مقرفة، ومحاولة الظهور بمظهر البطولة على نحو ما يفعل بعض قادتنا وهم يزيفون حقائق فشلهم وتزويق منهجهم الاستسلامي المخجل، والقول بكل تبجح أنهم لا يستطيعون التفاوض مع حماس إلا بضوء أخضر من أمريكا، فيما أن التفاوض مع إسرائيل- التي أثبت العالم أمس أنها الدولة الإرهابية الأولى في العالم، بعد أن ظهرت على حقيقتها كدولة مارقة تمارس الإرهاب والقرصنة والكذب بدون استحياء واضعة نقسها فوق القانون الدولي – هو مهمتهم الأساس وهدفهم النهائي، وضمانتهم الوحيدة للبقاء في مناصبهم والتمتع بما يغدق عليهم من أموال ورضى أمريكي.
يفترض أن قادتنا وعوا الدرس جيدًا، وفهموا أنهم أولى بالدفاع عن غزة وعمل شىء جاد وفعال لوقف الحصار عليها من تركيا، وأنهم أكثر حرصًا على التأكيد على عروبة فلسطين وحقوقها المشروعة وإنهاء الحصار على غزة من نائبة الكنيست العربية.
كم كنت أتمنى لو أن أحد أعضاء المنظمة أو "فتح" أو السلطة أو "حماس" أو الجبهة الشعبية أو الجهاد الإسلامي كانوا ضمن قافلة الحرية، وإن كان لذلك دلالة تذكر، فهي أن العالم قرر النضال نيابة عنا بعد أن تخلى قادتنا عن المقاومة والنضال، وبعد أن أعطوا التعهد للجنرال دايتون بأن لا انتفاضة بعد اليوم.
ما يحتاجه الشعب الفلسطيني ليس رغيف الخبز، وللأسف فإن مقولة "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" صدرت عن مفكر صهيوني نهاية القرن التاسع عشر عندما كان المشروع الصهيوني قيد الإنشاء، الشعب الفلسطيني يحتاج إلى قادة أمثال أردوجان وحنين الزعبي.. قادة يتمسكون بالعزة الوطنية، لا يفرطون بالحقوق، ولا يتخلون عن الثوابت، قادة يعرفون كيف يديرون قضيتهم، وينتزعون النصر الذي كان دائمًا يلوح في الأفق منذ حرب 1948 ليأتي الخونة والعملاء فيحولونه إلى هزيمة وانكسار.
الشعب الفلسطيني لديه عشرات، بل مئات الرجال أمثال أردوجان، ولديه عشرات، بل مئات النساء أمثال حنين الزعبي، عليهم أن لا يتركوا الساحة لقادة الاستسلام الذين يكرهون شعبهم ويتعالون عليه، ويعتبرون أمريكا وإسرائيل الصديق وغزة العدو.
لابد وأن يشعر قادتنا المبجلين - الذين يقضون وقت فراغهم في التجوال حول العالم للشحدة- الآن بالخجل، والندم، والحسرة، فالأمور تتغير سراعًا، ولأنهم لا يجيدون قراءة التاريخ، ويصرون على خذلان شعبهم وخداعه، فإنهم سيجدون أنفسهم فجأة أمام حقيقة صادمة عندما يرون إسرائيل تسقط من تلقاء نفسها، وهو ما تكهن بها زعمائها الصهاينة أمثال إبراهام بورج وغيره. يومها لن ينفع الندم، لأن التاريخ سيثبت أن فلسطين أنهت مسيرة مائة عام من المقاومة والنضال والثورة والاستشهاد بالارتماء في أحضان مغتصبيها، وأنهم توقفوا عن النضال وتخلوا عن المقاومة عندما دخلت تلك الدولة المارقة طور الانحلال والسقوط..!!