راديو المنار من فلسطين :: افتراق الشخصية الفلسطينية.. خطر يتواصل ..بقلم: د. طلال الشريف
الاتحاد الأوروبي والسويد يقدمان 24,7 مليون يورو لرواتب المتقاعدين       مستشار الرئيس عرفات يعلن ترشحه رسميا لانتخابات الرئاسة الفلسطينية       هروب السعودي كشغري من بلاده .............       دول التعاون الخليجي تطرد سفراء سوريا       اعتماد تحصيل رسوم استيراد على بعض السلع الكمالية التي تدخل عبر معبر كرم أبو سالم .       فصائل ووجهاء يبدأون بعقد ملتقيات جماهيرية لتعزيز المصالحة المجتمعية       خلاف حاد بين الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله ونائبه نعيم قاسم على قيادة الحزب       استصدار أمر منع ضد بناء حي استيطاني على اراضي لفتا المهجرة       الجيش الاسرائيلي يستعد لمواجهة تهريب سلاح سوري متطور لتنظيمات معادية       كولومبيا- اتهام 8 إسرائيليين بتجارة المخدرات واستغلال القصّر       إعلان الدوحة خطوة حقيقة... أم مجاملة سياسية؟       اجواء غائمة جزئيا واحتمال سقوط امطار خفيفة       ابرز عناوين الصحف الفلسطينية والاسرائيلية الصادرة اليوم الثلاثاء       عن اي مصالحة... واي حكومة تتحدثون؟ ..عبد الباري عطوان       هآرتس:إسرائيل تتهيأ لاحتمال تهريب أسلحة من سوريا إلى تنظيمات معادية       سلطة الطاقة تطالب بتدخل مصري لسد عجز الكهرباء بالقطاع       مبادرة الدفاع المشتركة تطلق برنامج زراعة الزيتون السنوي       البرسا يسعى مجددا لضم تياجو سيلفا       الأردني البخيت يتوجه للسعودية اليوم للإحتراف مع التعاون       باركر: مواجهة ليفربول على ملعب أنفيلد كانت صعبة      

جديد المقالات
 
حالة الطقس

استطلاع الرأي
من المسؤل عن احداث بور سعيد
<
المجلس العسكرى
النظام المخلوع
اليافطة
حكمة اليوم
~ ما خاب من استشار ~



  

لم تتعرض الشخصية الفلسطينية إلي عوامل الافتراق مثلما تعرضت له في السنوات الخمس الأخيرة من 20005 – 2010م، ورغم اختلاف الجغرافيا المتواصل والتي قسمت الفلسطينيين منذ نكبة 1948م، ورغم اختلاف العوامل الاقتصادية والاجتماعية لمجموعات الفلسطينيين في المهجر والشتات والضفة الغربية وقطاع غزة وداخل الخط الأخر، وحتى تنوع أنظمة الحكم التي عاش تحتها الفلسطينيين، والقوانين والثقافات  المتنوعة التي أثرت على تلك المجموعات الفلسطينية المتناثرة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوبا، وما واكبها من أحداث ومفاعيل وأحداث فيها التطور والتراجع والانجازات والإخفاقات، إلا أن الشخصية الفلسطينية قد حافظت على جامع أو حتى جوامع هامة احتفظت بها أو حافظت عليها وبقيت في حالة تناغم تؤدي الحد الأدنى للمطلوب، تلك الشخصية وتلك المفاهيم والتوجهات والرؤية أينما وجدت فقد احتفظت بقدر كبير من التوحد في الممارسة ووحدة متماثلة للمعلومة والتاريخ والحدث يكل أبعاده مما وحد دائماً العواطف والسلوكيات والأماني وترجمها على أرض الواقع بشكل كان يشعر الفلسطينيون بأنهم كتلة واحدة وشعب واحد وتمتعوا بصفات شخصية غير منفصمة ويشار إليها بالبنان من الغير أو الأغيار عرباً وعجماً.

كنا نرى ونشعر بذات فلسطينية واحدة إن بالإيجاب أو السلب، بالإيجاب مثل التضامن والمساعدة والتسهيلات كشعب فلسطيني وإن بالسلب كالمعاناة والإجراءات والمعوقات وحتى العقوبات الجماعية لمجموعات الفلسطينيين أينما كانوا على امتداد العالم بطوله وعرضه، أي أن الفلسطينيين كانوا معروفين ويتم التعامل معهم بأنهم فلسطينيون.

أما الآن ومنذ خمس سنوات أصبح هناك واقع جديد وماهيات جديدة ومصطلحات وأسماء يُنعت بها ويُشرَح الفلسطينيون على خلفيات وقواعد أخرى لا جامع فلسطيني واضح  بينهم كالسابق حتى أصبحنا نشعر بأن الصفة أو التسمية أو العنوان الذي كان يجمعنا أمام أنفسنا وأمام الآخرين وهو "أننا فلسطينيون"  قد تراجع كثيراً، وأصبحنا مجموعات وليس مجموع واحد وكل له منظور وسلوك وممارسة وتوجه، ومعرفة خاصة مختلفة عن الآخر في استخدام المعلومة والتاريخ والحدث الفلسطيني، والتهافت على الافتراق والتشظي بدون أدني إحساس بالمسؤولية وخطورة هذا الطريق، فتعددت عواطفنا وصفاتنا الشخصية وأصبحنا في انفصام حقيقي أمام أنفسنا وأمام الآخرين.

في السابق وقبل العام 2005م والتأريخ هنا له من الدلالات الهامة وأهمها ومصدر الدلالات الأخرى هو فشل الانتفاضة المسلحة بعد خمس سنوات من انطلاقها في تحقيق أهداف لم تكن أصلاً من الأهداف الإستراتيجية التي تحتاج مثل تلك الورطة المسلحة وانتفاضة بهذا النمط الذي اتخذته، فلم تكن حساباتها دقيقة ومحسوبة جيداً من ناحية إمكانية تحقيق هدف ليس استراتيجياً بل كانت خطوة تكتيكية نزقة خطط لها كضاغط في اتجاه المفاوضات، ولكن المفاجأة من هكذا تأزم غير محسوب كانت مدمرة.

هذا الخطأ الاستراتيجي في الحسابات، والتكتيكي في الهدف قلب الطاولة وغير بالسلب قواعد اللعبة الإستراتيجية وهنا مكمن الخطر الذي أحاق بنا كشعب فلسطيني وبالنتيجة تغير السياق العام للحالة الفلسطينية، فقد مات ياسر عرفات وضعفت "فتح" وترهلت وكبرت وقويت "حماس" والتيار الإسلامي وتغطرست إسرائيل وتنكرت للسلام وذابت الأحزاب والفصائل الوطنية في طريق الدفاع عن الذات في مواجهة خطرين استراتيجيين كما تعتقد، أولهما  المد الأصولي الديني واستقواؤه، وثانيهما الخطر الصهيوني وغطرسته ولم تستطع الأحزاب والفصائل الوطنية حتى الحفاظ على ذاتها وبدت وكأنها علامات تاريخية على الطريق.

اهتزت الشخصية الوطنية الفلسطينية الجامعة وأجريت الانتخابات الرئاسية تقلد فيها القيادة الرئيس "أبو مازن" تلك الشخصية البرجماتية المؤمنة بالسلام وممارسته في أقسى وأقصى الظروف وعن قناعة راسخة بإمكانية السلام مع إسرائيل في ظرف تغيرت فيه البيئة المناسبة للسلام عن السابق وتغلب فيه العداء وتغيرت فيه الشخصية والهوية الفلسطينية إلي حد كبير وبقوة نحو النزعة والهوية  الإسلامية وعلى خلفية تصاعد بدائل الحركة الإسلامية "حماس" و"الجهاد" وتجمعات إسلامية أخرى والذين تمنوا مبكراً هذه الفرصة للإحلال والإزاحة لمنظمة التحرير الفلسطينية والتيار الوطني الفلسطيني لتبدأ قصة جديدة وتنجح "حماس" في فرض أغلبيتها على الناخب الفلسطيني في المجلس التشريعي وتغتنم الفرصة للإقصاء والتغيير بالقوة لاحقا إبان الانقلاب الحمساوي على الديمقراطية الفلسطينية التي جاءت بها "حماس" وفي المقابل تنفض إسرائيل يدها من عملية السلام كلية.

اجتاحت إسرائيل المناطق الفلسطينية من جديد لتعيد الاحتلال وتزداد معاناة الفلسطينيين ويزداد الإرباك والعوز والفقر وبعدها اهتزاز السلطة وضعف التيار المركزي في منظمة التحرير "حركة فتح" ويفقد الكثيرين مصادر طاقتهم الوطنية والمعيشية وفرص العمل داخل إسرائيل ليصبح الفلسطينيون مكشوفين اقتصادياً وباهتزاز السلطة وانقلاب "حماس" ينكشف الفلسطينيين سياسياً  أكثر أمام العالم ويتراجع الدور العربي بالانقسام في المواقف من الأطراف الفلسطينية وعدم التوصل إلي مصالحة من قبل "حماس"، وتوجت حرب غزة المدمرة الضعف والانكشاف الفلسطيني الذي بات أكثر تعرية لتهتز الشخصية والذات الفلسطينية أكثر داخلياً وخارجياً فيتصاعد الانقسام الذاتي والشخصي الفلسطيني أمام تلاحق الضربات وعدم تمكن الفلسطينيين من مواجهة ما فعلوه بأنفسهم من ضرر فغدوا في حالة ضعف مخجلة أضعفت الذات والمجموع وأحبطت الطاقة التي كان يتمتع بها الفلسطيني نحو قضيته الوطنية طوال القرن الماضي.

أصبح هنا كانتونان فلسطينيان كل له مشاكله وهويته وإعلامه وحكامه وامتد الانقسام ليعم الجميع الفلسطيني في الشتات والمهجر وداخل الخط الأخضر في رحلة تغيير خطيرة على الشخصية الفلسطينية ومازالت عوامل وتفاعل الانقسام تعمل عملها في الذات وفي الشخصية الفلسطينية وتتعمق في مأزق وضع الفلسطينيون أنفسهم فيه دون حسابات للنتائج والتأثير السلبي على القضية عامة وعلى الشخصية الفلسطينية.

أصبحت الشخصية الفلسطينية تعاني من حالة الانفصام واستمر الإسلاميون في رحلة الإحلال والاستيلاء على التاريخ والانجازات في خطوات متسرعة وغير محسوبة بدقة على الصعيد الاستراتيجي ساهمت في اهتزاز الشخصية الفلسطينية أكثر، وبطريقة قصريه للنمو دون حساب للوقت والزمن الحقيقي المطلوب للتغيير وخاصة المفاهيم الأيديولوجية والسلطوية وتغيير الهوية حتى اصطدموا هم أنفسهم بحواجز وموانع الجغرافيا السياسية مع المحيط  فباتوا في أزمة وأصبحوا ثقلاً  على حركة الإخوان المسلمين وعلى شعبهم وكل هذا مازال يفعل فعله على الشخصية الفلسطينية حتى بات الفلسطينيون شيعاً وقبائل وليس شعباً واحداً كما كان سابقاً بالمعنى والملموس.

على صعيد العلاقات فلينظر الفلسطينيون كيف يتعامل معهم الأغيار فالفلسطيني أصبح في نظر الآخرين إما حمساوي أو فتحاوي وحتى أمام أنفسهم أيضاً بنفس الطريقة وتراجع الجامع الفلسطيني للشخصية الفلسطينية ولازال تكريس غياب هذا الجامع أمام الإعلام المختلف والمضاد كما نلاحظه في تليفزيون فلسطين وتليفزيون الأقصى والإذاعات المحلية بثقافتها الأصولية واختلاف الاهتمام والتنظير وأصبح الجميع في أزمة ليس فقط من الاحتلال كما كان سابقاً ولكن في مأزق الانقسام أو الانفصام في الشخصية الفلسطينية.

 وهكذا لم نعد شعباً واحداً وشخصية واحدة، وهنا مكمن الخطر... لأن ذلك في طريقه لأن يؤدي إلي اختلاف وتنوع في المنظور والتوجه وحتى العاطفة حتى لم يعد الفلسطيني حقيقة يمارس عمله أو نشاطه وفي ذهنه الاحتلال أو قضية التحرر ولكن الراسخ في الذهنية الفلسطينية الواحدة أو المجموع والحزب الذي لم يعد في الذهن برنامجه أو أدواته النضالية بقدر ما يرسخ في الذهن المصلحة الخاصة والراتب والوظيفة وبات الانتماء للحزب على خلفية حياتية كوسيلة للعيش والأمن والحماية والقلق والخوف من تغيير الواقع ألمصلحي الآني.

كل هذا التدهور الخطير في الشخصية الفلسطينية أوصله إلى مجتمع الكراهية للآخرين في رحلة تفتت لم يسبقها مثيل في الساحة الفلسطينية رغم الاختلافات الجمة التي كانت تصاحب العمل الوطني الفلسطيني على مدى قرن من الزمان.

مجتمع الكراهية هذا ينمو وتتواصل ظواهر المرض على المجموعات الفلسطينية في كل مكان وتظهر أعراضها بشكل فاضح وفاقع في ظواهر الانحرافات السلوكية والأخلاقية والجريمة والدعارة وسفاح القربى والتي حتى أصبحت مختلفة في التجمعات الفلسطينية باختلاف الدواعي وطرق وشكل الانحراف والجريمة مما يؤكد العمق  في الشرخ والانقسام الذاتي والشخصي الفلسطيني، وحتى في الجريمة والانحراف لم يعد الفلسطينيون موحدين، والحالة مستمرة في تمزيق ما تبقى من وحدة في الذات والشخصية الفلسطينية، والعلاقات البينية تثبت بما لا يدع مجالاً للشك تشرذم وتشظي النسيج الفلسطيني حقيقة. انظروا إلى الأسرة الواحدة كيف وصلت الأمور بسبب الحالة المنفصمة أو المنقسمة، وكذلك الحزب الواحد  والمؤسسة الواحدة وتشكل مجتمع الكراهية في الكل الفلسطيني خارجياً وداخلياً.

أصبح العالم يتعامل معنا كأفراد أو مجموعات بعيدة عن السياق الوطني الواحد فالناس مثلا في غزة نصفهم وأكثر يعتبرون الحصار على حماس وليس عليهم وولاءهم لـ"فتح"، ونصف الناس بالضفة يعتبرون أنفسهم خارج منظومة العرف والتقاليد والقانون وهم ليسوا تابعين للنظام في الضفة الغربية وولاءهم لـ"حماس"، وكذلك الخارج ليس أحسن حالا فهناك انقسام أيضاً وفي داخل الخط الأخضر والمهجر والشتات.

تقدمت الحالة المرضية للشخصية الفلسطينية وابتعدت عن القضية الأم وعن الاحتلال وغادرت إلي المصلحة الخاصة أو المصلحة الحامية كالحزب، وأصبح كل شخص يمثل نفسه ويبتعد عن الآخرين حتى في داخل الأسرة الواحدة، وكذلك تظهر الذاتية المفرطة داخل الأحزاب التي باتت لا تطعم ولا تغني من جوع وكلها في حالة ارتباك من غياب الوحدة وانقسام الوطن وكل منا أصبح في داخله إحساس ويترجمه في سلوكه بأنه شعب لوحده وبمفرده وغير معجب بالآخرين ولم تعد الكتلة الفلسطينية الكلية  لها وزنها الأصلي والحقيقي كالسابق وصفاتها المتماثلة والمتناغمة فهي في حالة فقدان الوزن والتوازن والتأثير وتتحرك في الفضاء دون ضوابط ذاتية أو موضوعية، والجميع يعاني، فقد قفزت "حماس" وقياداتها  في الفضاء ودون حسابات حقيقية، وفقدت الأحزاب الوطنية وقياداتها توازنها، وبات الشعب الفلسطيني بعيداً عن قضية التحرر والاستقلال، وذهب كأفراد إلي مستقبل غامض قد لا يعود  معه شعباً واحدا له قضية واحدة ومستقبل واحد،  ولا زال العرض مستمراً على كل شاشات العرض الفضائي والإذاعي والصحفي والاليكتروني في وقت تزداد فيه الشخصية الإسرائيلية تماسكاً وقوة واتحادا وانجازا في تحدي لقوي العالم أجمع الجديد منها والقديم بثقة وتؤدة في الوقت الذي تزداد الشخصية الفلسطينية مرضاً ومعاناة وضياع وعدم اتزان أمام أنفسهم وأمام الآخرين وغير قادرة على مواجهة الذات والآخر.. وما زال المتنفذون الفلسطينيون يعمقون الشرخ بينهم وكأنه عن قصد فيقدمون خدمة جليلة للمشروع الصهيوني وتدمير الشخصية الفلسطينية بعد أن دمروا القضية وكرسوا الاحتلال.

فماذا فعلتم أيها السادة المنقسمون بأحلامكم المزعجة، بعد أن لم تتقنوا الصراع الوطني والقومي لتذهبوا إلي الصراع الديني، وأصبحنا " مثل  العريان الذي يظرط ألحفة" كما يقول المثل الفلسطيني الشائع.

* الكاتب طبيب فلسطيني يقيم في مخيم الشاطئ- غزة. - T8sharif@hotmail.com

 



|المزيد من جديد المقالات..|