حوصر الشهيد أبو عمار رحمه الله في المقاطعة برام الله بقرار أمريكي غربي في سبتمبر 2001، التزم العرب بتنفيذه بحذافيره، وذلك اثر رفضه التوقيع على اتفاق يتضمن تنازل عن الثوابت، وتحرجوا من كانوا بالأمس أعز الأصدقاء ورفقاء الدرب من الرد حتى على جواله الشخصي، هذا موقف النظام العربي الذي لا يزال يراوح مكانه، حيث المواقف تتكرر، ويضرب حصار على كل من له موقف مغاير لموقف الغرب أو يريد أن يحافظ على ثوابته الوطنية وشخصيته الثقافية، ولا يريد أن يفرط في أي من الحقوق الفلسطينية، هذا الحصار الذي لا يمكن أن يكتب له النجاح لو لم يشارك فيه النظام العربي الذي وللأسف يعبر عن حالة من العجز والموت الإكلينيكي حيث أصبح أداة طيعة في يد القوى الامبريالية التي تواجه الآن كراهية وعداء شديد من غالبية الشعوب وأحرار العالم.
***
قد نلتمس العذر للعرب عندما قامت بريطانيا بالمساعدة في إنشاء إسرائيل، بمنحها صك وعد بلفور 1917 الذي يرى اليهود فيه الغطاء القانوني وإقرار بحق تاريخي تنسفه طبعا جميع الروايات والحقائق التاريخية والشواهد والأديان. ونقول بان العرب لم يكونوا قد عرفوا نوايا اليهود ولم يأخذوا العظة من زيف وخداع مراسلات حسين ماكماهون 1915التي تشبه وعود عرقوب، وبعد ذلك ضياع فرص توزيع الإقطاعيات العربية على الأتباع، باتفاقية سايكس بيكو التي كانت سرية في الأساس، ولم يقرءوا ما جاء في خطب الشيخ الشهيد القسام، الذي حذرنا بان اليهود سيسيطروا على الأقصى، وقد نلتمس لهم العذر عندما أعلن عن إنشاء دولة إسرائيل بعد هزيمة 1948 حيث كان الحلفاء المنتصرون يسطرون التاريخ ويرسمون شكل الكرة الأرضية حسب مفاهيمهم ومصالحهم ويحددون شروط اللعبة، والعرب معظمهم يرزح تحت نير الاحتلال ولا توجد مساحة واسعة للمناورة وحيث كان الدعم على أشده لليهود خلال فترة رئاسة ترومان، أما الآن فنقولها ببراءة و بعد أن استقلت الدول فليس هناك أي عذر أو حجة، اللهم إلا إذا كان النظام عميل مباشر للدوائر الامبريالية ويتلقى بعض قادته رواتب مباشرة نظير خدماتهم لتلك الدوائر.. وأرجو أن لا يكون كذلك وان يكون السبب سببا آخر لم تتوصل إليه قريحتنا ولا نعلمه حتى الآن! وإلا فسوف ينطبق على واقعنا بيت الشعر القائل: وسوى الروم خلف ظهرك روم- فعلى أي جانبيك تميل..
المحزن والمبكي أن الأنظمة العربية بصمتها على المجازر المتتالية في فلسطين تكون مشاركة إسرائيل في سياستها الإجرامية،- حيث يتوجب على المسلم أن ينصر المسلم- فما بالك إذا كانت تدعهما لوجستيا وتمولها ببعض ما يلزم ويستخدم في الحروب والقتال؟
***
ثبت بالدليل القاطع بان هناك مساحة كبيرة للمناورة في يد النظام العربي ولكنها غير مستغلة، فلو كل نظام قدم ما قدمته دولة الكويت – الانسحاب من المبادرة العربية- اثر الاعتداء الغاشم على قافلة الحرية في المياه الإقليمية لطرأ على السطح مواقف متقدمة على الصعيد الدولي ولأصبح هناك ضغطا غير مسبوق على إسرائيل حتى من طرف الولايات المتحدة الأمريكية.
هناك من ملك قراره مثل تركيا وكشفت عن مواقف قوية ومشرفة، ونقول لمن ينظر إلى الدور التركي في المنطقة بعين الشك، فان الفرصة ما زالت متاحة له، ليتقدم الصفوف ويفعل ما فعله الإخوة الأتراك، ولكن العجز العربي والفراغ الكبير الذي تركه العرب كان الباب المفتوح على مصراعيه لدخول عدة أطراف على الساحة، ولا ضرار إطلاقا من دخول تركيا على خط القضية الفلسطينية. فعلى الأقل تركيا مسلمة على المذهب السني. وكان خروج تركيا من المنطقة بعد سقوط الخلافة بداية سقوط فلسطين في أيد اليهود، ونفس الشيء ينطبق على بعض دول المغرب العربي فبعدما خرجت تركيا من الجزائر دخلها الفرنسيون مباشرة.
متى يرقى الموقف العربي لبعض مواقف تأتينا من بعيد ومن أناس غير عرب؟
ماذا نفعل كشعوب من اجل أن يلبي النظام الآمال والطموحات الشعبية العريضة؟
لقد اتخذت جامعة الدول العربية قرار برفع الحصار عن غزة قبل وقت طويل، فهل كان اتخاذ هذا القرار فيه شيئا من التسرع من الجامعة ينبئ عن عدم عرض الأمر على الولايات المتحدة الأمريكية قبل صياغة هذا القرار؟
فهل نحتاج للتعرض لإبادة جماعية لكي يتم تفعيل القرارات التي تنتظر الضوء الأمريكي الأخضر؟
اعتقد بأنه يجب منح الصحفية الأمريكية هيلين توماس فرصة للترشح لرئاسة نظام عربي ودعمها لتثلج صدورنا بإعلان الحرب على دولة إسرائيل كما أثلجت صدورنا بتصريحاتها حين دعت اليهود للعودة من حيث أتوا وترك فلسطين للفلسطينيين، ومن ثمة استقالت بكل شرف بعد تصريحاتها الأخيرة ضمن الانتقادات لدولة إسرائيل اثر الفضيحة التي ارتكبها جيش الاحتلال مع سفن رفع الحصار..
انه موقف رائع يفتقده غالبية القادة العرب الذين لنا عليهم حق النصرة بناءا على اعتناقنا لنفس الدين الحنيف.