يكاد أن يكون في حكم المؤكد، أن قانون الغاب يحكم القدس العربية إلى الأبد المحتلة مؤقتا. وأخر الظواهر التي تدلل على ذلك أن المستوطنين استأجروا شركة حماية خاصة على نمط الشركة الأمريكية بلاك ووتر سيئة الصيت في العراق، من أجل إخراج فلسطينيين بالقوة المسلحة من بيوتهم بحجة كون هذا البيت يعود إلى كنيس يمني في القرن التاسع عشر. وكأن هولاء المستوطنين يتخيلون أنفسهم وكلاء الدولة الإسرائيلية في تنفيذ القانون أو اعطوا وكالة بذلك من السلطة الإسرائيلية المحتلة. أليست الشركات الخاصة الأمنية الإسرائيلية موجودة في الأحياء العربية من زهرة المدائن، وتصول وتجول دون وازع أو ضمير. ومن أجل ماذا، من أجل عقار مزعوم من القرن التاسع عشر يقع في بلدة عربية بها خمسين ألف فلسطيني! فأين عقاراتنا في الطالبية والقطمون والبقعة في غربي القدس، بل أين سبعين ألف بيت فلسطيني كانت قائمة عام 1948 ولماذا لا يستردها أصحابها أو ورثتهم؟! أين أقرث وبرعم، بل أين يالو وعمواس وقبية؟! أليس هذا هو قانون الغاب بعينه في الدولة الأخلاقية الأكثر عنفا في العالم!!
تماما، كما قتلت الشرطة الإسرائيلية بحجة الدفاع عن النفس، وبدم بارد الشهيد الفلسطيني زياد الجولاني قبل أيام في وادي الجوز ببيت المقدس. وكأن لو أن مثل هذا الأمر قد حدث لسائق في تل أبيب أو في قيسارية يمكن أن يحدث له ذات المصير. تمييز عنصري في وضح السماء. فشاب يقتل على أساس قومي وعرقي ولأنه فلسطيني عربي مقدسي، بل يقتل من مسافة صفر، وهو لا يملك حراكا ولا قوة بدل تقديم الإسعاف له بينما يهودي سكير ويسوق شاحنة بإهمال ورعونة لا يلق نصف ذلك المصير. أي قانون وأية شريعة تسمح بذلك سوى قانون الغاب.
تماما، وكلصوص الفجر يقتحمون خصوصيتك وخصوصية عائلتك وأبنائك وبناتك، يأتي مندوبو التأمين الوطني في زيارات وقحة بمباركة رؤسائهم للتحقق من مكان سكناك واستحقاقك لأقساط تستحقها بعد أن دفعتها في صباك وترد إليك في شيخوختك، ولكنهم يودون حرمانك منها لأنك غادرت القدس ولم تعد ساكنا فيها، بل تسكن في العيزرية أو في الرام أو في الضاحية. الضمان الإجتماعي سنة عالمية، ولكن الإسرائيليين يودون حرمان الفلسطينيين المقدسيين منها بحجة قانونية طبقا لقانون الغاب، بينما المستوطن يسكن أبعد كثيرا من الرام والعيزرية ولا يخشى انقطاعا ولا وقفا بل يتقاضى المزيد والمزيد.
تماما، كموظفي وزارة الداخلية الإسرائيلية ووزيرها الذي أعطي اكبر صلاحيات تقديرية في التاريخ، الذين يقومون بعدم السماح لتقديم طلب لم شمل لفلسطيني أو لفلسطينية، لأن بعضهم وجد قلبه مع شريك من الضفة العربية، ولا تسل عن الذريعة فهي الأمن. حتى الحب والهوى والفؤاد مع أهل الضفة الغربية محرم على المقدسي والمقدسية بعد عام 2003. مجرد تقديم الطلب للم الشمل ممنوع بنص القانون والحيث لا يدور هنا عن فحص الطلب من ناحية موضوعية بل مجرد تقديم الطلب من ناحية شكلية. أليس هذا أمر يحمل التمييز العنصري العرقي ويحتاج إلى تدخل من مجلس حقوق الإنسان في جنيف وإلى وقف قانون الغاب هذا؟!
تماما، كالمدعو نير بركات حينما يذرف دموع التماسيح على أهل البستان وساكنيه، بحجة أن قرار لجنته المحلية بهدم اثنين وعشرين بيتا ما هو إلا إضفاء شرعية على بقية البيوت المهددة بالهدم وتحسين الأحوال السياحية والإقتصادية لشرقي القدس المعدم. وكأن الشرعية لا تتم إلا عبر هدم المنازل وتشريد سكانها. واسمعوا حجة ذلك العلماني، بأن الهدم ضروري لإقامة حديقة الملك داوود التوراتية. ويبقى الأمر واضحا فالمنازل هي منازل فلسطينية يتساوى في هدمها العلماني والأصولي اليهودي. وكأن تحسين الأحوال لا يتم إلا عبر هدم منازل الفلسطينيين المقادسة بدل تخصيص الموازنات المستحقة لهم في موازنة البلدية عملا بنسبتهم السكانية. لا نريد منة ولا صدقة ، فقط أن تقوم البلدية وتلتزم بصرف ما تحصل عليه من أموال وغرامات بناء وموازنات على القدس العربية بدل القدس الغربية. والغريب ان يصدر نير بركات هذه التصريحات في جولة له بالولايات المتحدة الأمريكية بدل أن يكون شخصا غير مرغوب فيه بعد ما قال وفعل بحق الرئيس الأمريكي ونائبه والساسة الأمريكيين.
تماما، كقرار الإبعاد بحق أربعة من نواب المجلس التشريعي الفلسطيني والذي صودق على جزء منه من أعلى محكمة إسرائيلية والتي تمثل الملجأ الأخير للعدالة الإسرائيلية. ليس هذا فقط، بل تهديد بسحب الهوية المقدسية وكأنها هبة أو عطية من هبات الإحتلال الإسرائيلي يمنحها ساعة يشاء ويستردها متى يشاء. نحن شعب وجد على هذه الأرض قبل أي مستوطن أو ساكن يهودي أو إسرائيلي في القدس وسجلاتنا تثبت ذلك، حتى مقابركم وحيكم في القدس، مقامة على أرض وقفية إسلامية محكرة لكم . حتى حائط البراق ملك إسلامي خالص بحكم عصبة الأمم، وقانون بريطاني لم يلغ ليومنا هذا. أفبعد هذا هناك سيادة قانون في القدس العربية أم هو قانون الغاب؟!
تماما، كما حصل بعد عام 1967 وأصبحنا مقيمين بهوية زرقاء فوق وطننا، بينما الروسي والبولندي والأمريكي مواطن من الدرجة الأولى في حين لم نستحق مركزا مثل اليهودي السفارادي الشرقي. حظينا بجرافات تسوي الأرض في حارة المغاربة وتهدم مئات المنازل ومدرسة للطالبات الإناث من أجل عمل ساحة أمام حائط البراق، تميزنا بقانون أملاك الغائبين لتسلب عقاراتنا تحت سمعنا، وقانون الإستملاك لمصادرة أراضينا، وقانون التنظيم حتى لا نبني بناء إلا وكان مخالفا لتنظيمهم وتعليماتهم حتى تكال إلينا التهم بأن لدينا جينات مخالفة وتعشق الناء غير القانوني كما هو الإصطلاح باللغة العبرية للعرب.
يقينا أن الفلسطيني المقدسي العربي لن يترك القدس ويرحل مهما حاول رئيس البلدية سن سياسات جائرة ، ومهما حاول وزير الداخلية سن قوانين ظالمة، ومهما حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي اقتراح قوانين غاب جديدة. فمهما سننتم من قوانين وتشريعات وأنظمة وتعليمات وسياسات، فلن تفلحوا. فكفوا وتوقفوا عن هذه الخطوات، فنحن ملح الأرض وترابها وشجرها وباقون عليها إلى يوم الدين.
ماذ نتوقع من دولة ليس لها دستور كبقية الدول. ماذا نتوقع من دولة قائمة قوانينها على التمييز العنصري. ماذا نتوقع من دولة رضيت محكمتها العليا بتقرير رجل الأمن فيصلا وحكما. ماذا نتوقع من دولة رفضت تطبق القانون الدولي على أبناء القدس. ماذا نتوقع من دولة تجيز الإغتيال والتصفية الجسدية والتعذيب والعقاب الجماعي. لذا لا مفر من أن يدفع الفلسطيني المقدسي العربي ضريبة غالية من دمه وماله وأولاده وبنيه ليقيم ويستمر في الإقامة على ثرى القدس الطهور مهما لاقى من عنت واضطهاد وقوانين غاب. فلا يعادل الإقامة هنا شيء، فلا رام الله ولا نيو يورك ولا عمان ولا القاهرة تساوي حبة خردل من عشق القدس وأزقتها وحواريها وتاريخها وكنائسها ومساجدها وعبق التاريخ فيها فهذه ليست كالمدن الأخرى بل هي زهرة المدائن ودرة مدنهم.