راديو المنار من فلسطين :: هل سيصبح "رؤش أدوم"؟!ثلاثة وأربعون عاماً والرأس أحمر ....بقلم: عاطف أبو الرب
وسط نابلس- مجهول يطلق النار على مواطنين فيقتل أحدهما ويصيب الآخر       "أبو مازن" يبدأ غدا مشاورات لتشكيل حكومة غير فصائلية       باحث إسرائيلي: الاحتلال كلف الفلسطينيين أكثر من 107 مليار دولار       مناورة لجيش الاحتلال لاخلاء جرحى من ميدان المعارك في قطاع غزة       يديعوت:السفارات الاجنبية في اسرائيل تضع خطط طوارئ تحسبا لوقوع هجمات صاروخية       الطقس: اجواء باردة نسبيا واحتمال سقوط زخات من المطر       حزب الله الرابح من الناحية العسكرية..جنرال اسرائيلي:سقوط نظام الأسد سيؤدي الي زعزعة إقليمية خطيرة جدا       اتهام نساء الجن بخطف شاب عماني بمغارة جبلية       إسرائيل ستدمر نفسها قبل إيران..هآرتس : يجب طرد نتنياهو او تدخل القوى الخارجية لإخراجه من الحكومة       كوت ديفوار تخشي اندفاع الشباب المالي في قبل نهائي النسخة رقم 28 لكأس الأمم الإفريقية       وفد الأردن يتوجه للبحرين اليوم للمشاركة ببطولتها الدولية للتايكوندو       خمسة فرق تبحث عن لقب " نصف الدوري " في المرحلة الأخيرة من الدور الأول للمسابقة العُمانية       الاضراب يشل الحركة في المرافق العامة الاسرائيلية       اردوغان يوصي بشار للمرة الاخيرة: ماجرى بحمص سيُدفع ثمنه عاجلاً أم آجلا       مؤتمر دولي بمصر يدعو لاقامة دولة فلسطين ويقدر خسائر الاقتصاد بـ7بليون$       الاتحاد الأوروبي والسويد يقدمان 24,7 مليون يورو لرواتب المتقاعدين       مستشار الرئيس عرفات يعلن ترشحه رسميا لانتخابات الرئاسة الفلسطينية       هروب السعودي كشغري من بلاده .............       دول التعاون الخليجي تطرد سفراء سوريا       اعتماد تحصيل رسوم استيراد على بعض السلع الكمالية التي تدخل عبر معبر كرم أبو سالم .      

جديد المقالات
 
حالة الطقس

استطلاع الرأي
من المسؤل عن احداث بور سعيد
<
المجلس العسكرى
النظام المخلوع
اليافطة
حكمة اليوم
~ عصفور بالإيد أحسن من عشرة على الشجرة ~



  

منذ أن سقطت البلاد في عام 1948 والاحتلال يسعى لنهب الأرض، وتغيير وجهها، فتارة يسن القوانين وتارة يصدر الأوامر العسكرية، التي بموجبها يستولي على الأرض، ويحولها لصالح الغاصبين من المتسوطنين. جنباً إلى تعمل آلة أخرى لتغيير الأسماء للمناطق، في سباق يهدف سرقة التاريخ، حتى يخال لنا نحن أصحاب الأرض أن بلادنا كانت لقيطة حتى جاء الاحتلال. هكذا تألقمنا نحن أصحاب الأرض في كثير من الأحيان مع الأسماء الجديدة، وذلك بعد أن تراجعت أسماؤنا أمام الأسماء الوافدة. 

واصل الاحتلال نفس السياسة بعد سقوط ما تبقى من فلسطين في العام 1967، حيث كثفت سلطات الاحتلال من عمليات التوسع والنهب، ورافق كل ذلك حملات تهويد للأسماء والشوارع. حيث صرنا نمشي في شوارعنا، ونردد الأسماء العبرية، وكأن أسماءنا لم تعد تصلح لمجارة الواقع الحالي، أو أن لغتنا عقيمة عاجزة عن إيجاد أسماء تتناسب وحياتنا، أو كأن التاريخ تجاوز الأسماء التي التصقت بالمكان الفلسطيني عبر التاريخ. 

ما دفعني لكتابة هذا الكلام "الرأس الأحمر" في شفا الأغوار الشمالية، هذا المكان الذي أجهل من أين اكتسب هذا الأسم، خاصة وأن الموقع سفح تلة غير مترفعة مقارنة بما حولها، وليس به أي شجر يمكن من خلاله اكتساب لون من الألوان، ولكن لا زال المكان يعرف بالرأس الأحمر. هذا المكان الذي شكل نقطة اختبار قوة بين الفلسطيني الأعزل من كل أدوات القوة، وبين الاحتلال الذي استحدث أدوات قمع عساه ينجح في قمع إرادة الفلسطيني الثابت في أرضه. 

الرأس الاحمر ذلك المكان النابض بالألم، والزاخر بالمعاناة بفعل الاحتلال، يشكل نقطة جذب لعشرات العائلات التي توارثت حب المكان، ورغم الكثير من العناء إلا أن هؤلاء لا يفارقون المكان. منذ سنوات الاحتلال الاولى حول هذا الاحتلال الكثير من الأراضي بما فيها منطقة الرأس الأحمر لمناطق تدريب عسكرية، وذلك على أمل أن يكون ذلك سبباً بهروب الناس عن المكان بشكل طوعي ظاهرياً. مع مرور الوقت خاب الاحتلال، واكتشف أن المكان رغم الخطر لا زال ملجأ لعشرات العائلات كما لو أنه حضن أم يبث الحنان والدفء لأبنائها. هذا الالتصاق بين المكان والإنسان أخرج الاحتلال عن طوره، فضاعف من إجراءاته على أمل أن يحقق ما عجزت عنه النيران والقنابل. 

ولأنه الاحتلال، ولأنه المتصرف بمصير العباد والبلاد استن لنفسه عشرات القرارات والقوانين، التي بموجبها يمكنه إفراغ الأرض من سكانها، بغية تسهيل تحويلها لصالح المستوطنين. الراس الأحمر لم يكن بعيداً عن مرمى هذه القرارات، حيث حولته قرارات الاحتلال لمنطقة عسكرية مغلقة، يحظر على السكان البقاء فيها. فبدأت آلة الاحتلال توزيع القرارات على السكان، وفي كل مرة يصدر فيه الاحتلال هذه القرارات، يتبعا بخطوات عقابية تنتهي بهدم ما يأدي الناس ويقيهم البرد والجر جزئياً. فبيوت الناس هناك ليست بيوت، فهي ليست من الباطون، عفواً، وهي ليت بيوت شعر، وهي ليست حظائر وأكشاك من الحديدي، وهي بالتالي مزيج من مكونات، لا عامل مشترك فيها سوى أنها بيوت لأهالي المكان، فهي تشبه إلى حد ما الخيم ولكنها ليست كذلك، وهي تشبه الأكشاك لكنها أسمى من ذلك، وهي قريبة للحظائر، ولكن مكانتها فوق ذلك. لكل ذلك تثير حقد الاحتلال، الذي يصدر قرارات بوقف البناء تارة، وتارة أخرى بهدم المباني، عفواً أين المباني. 

منذ سنوات قليلة يبدو أن الاحتلال يضع الرأس الأحمر على قائمة أولوياته، حيث يكثف هذا الاحتلال من هجماته على المكان، وفي كل مرة لا يغادر إلا بعد أن يسجل عشرات الاعتداءات على أناس عزل. حيث تغير الجرافات على ما نسميه مجازاً بيوتاً، فتوسيها بالأرض. ولأنها ليست بتلك القوة سرعان ما تنتهي الجرافات مهمتها، فتغادر المكان، ويبقى الناس في العراء. 

الناس بدورهم لا يكلون، فتجد الواحد منهم يبحث بين الركام عله يجد في البقايا والمخلفات ما يمكن أن يستخدمه في إعادة بناء بيته من جديد. وللحقيقة فإن قلة من أبناء المكان تفكر بالمغادرة، وأقل من ذلك بكثير من تغادر المكان والزمان. ويبدو لمن يتابع الناس قطعوا عهداً مع الله على البقاء في المكان، ولسان حال الناس يقول سيبقى الرأس أحمر، ويبقى المكان أبيض، وتبقى السماء زرقاء، وتبقى لغة المكان عربية. 

بالأمس كما في العام الماضي، أتت الجرافات على عدد من البيوت والحظائر، وغادرت الجرافات مخلفة دمار كبير. أطفال يحصلون على جرعة إضافية من حرارة الشمس، التي كوت أجسادهم النحيلة أصلاً. البعض منهم أبكاه المنظر، ولكن عادوا يبحثون بين الركام على بقايا قد تعيد لهم قليلاً من القليل الذي يملكونه في هذه الطبيعة الفقيرة لمقومات الحياة. تغلبوا على حرارة الشمس، وأنستهم طفولتهم فظاعة المنظر، وعادوا يمارسون حياتهم التي اعتدوا عليها، حيث بقي في المكان بعض شجيرات من السدر توفر لهم الظل، الضرورة لممارسة ألعاب الطفولة. 

أما الرجال، فرغم مرارة الموقف، ورغم كل المشاعر التي تعتمل في القلوب، فأخذ كل يبحث في سبيل يعيد من خلاله بناء مملكته الخاصة ليسكن فيها. البعض استطاع أن يرفع الأعمدة ويظلل المكان، ونام ليله في ذات المكان، فيما تأخر البعض الآخر حتى اليوم التالي. ورغم أن أحداً لم يبيت في الشارع إلا أن مشاعر الحزن ارتسمت على الوجوه، حتى عاد الجميع لذات المكان. 

لعبة الوقت يمكن أن يكون ما يجري هناك لعبة الوقت، امتحان قوة تحمل قد يكون ما يجري امتحان قوة تحمل، صراع إرادات هو كذلك بامتياز، هو ذلك وكل ما سبقن ولكن رغم مرور ثلاثة وأربعون عاماً على النكسة، واثنان وستون عاماً على النكبة، لا زال الرأس أحمر، والسؤال الذي خطر ببالي، هل سيكون المكان "روش أدوم"، بلغتهم؟ أجزم أنني أخشى من ذلك، وأخشى أن يأتي يوم لا نجد الرأس الأحمر في مكانه. عزائي الوحيد وجود أناس في الرأس الاحمر يواصلون الحياة والتناسل ويورثون الاسم لأجيال جبلت بشرتها بلون التراب، واحترقت جلودها بحرارة شمس الأغوار

 



|المزيد من جديد المقالات..|