هناك فرق بين رؤيتين، رؤية ما هو كائن في الواقع وأبعد خطوة، وبين ما سيكون وفقا لما هو كائن، ولا يمكن لأي مثقف أن يحشر رؤيته في زاوية حسابات القوى السياسية أو السلطات أو التقرير الإخباري بمنطق الصح والخطأ، رغم أن ذلك أسهل أنواع الكتابة على الإطلاق ولكن ليس هذا هو المثقف، ولا دوره فبإمكان أي كاتب تقارير مخبر أمني أن يصبح بعد سنة كاتبا بالمفهوم المعروف وأية كتابة بهذا المستوى ماذا تعني للقضية الأرض والشعب والمستقبل هي مجرد خربشات لأي من يملك أدوات اللغة، ويتابع نشرة أخبار أية إذاعة.
حظر الاجتهاد السياسي
إذا كان المجتهدون في الديانات قد صلبوا عقولهم عند اجتهاد الأولين وأخذوا يمارسون الاجترار الاجتهادي، ومن يخرج عنه يكفروه ويرموه بما شاءوا من التهم فإن حال الاجتهاد السياسي لا يختلف كثيرا عن هذا الحال، فقد أصيب بالتكلس بعد أن تم وضع العقل في الثلاجة وما تبقى يعمل على بوصلة الانقسام مدحا وشتما وكأن هذه وظيفة المثقف والكاتب في أسوأ مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية منذ النكبة والمستمرة بشكل أسوأ.
ببساطة اللغة عليك أن تؤمن أن الطريق نحو الوطن بلا احتلال يمر عبر مقاومة حماس أو مفاوضة فتح أو بناء سلام فياض، وما تبقى يتحرك في الدوائر الثلاث وأي خروج عن هذا النص هو كفر وتمرد وربما تحريض فهل هذا هو دور المثقف الفلسطيني في هذه المرحلة؟ أن يشطب عقله وفكره كما تشطب السارات المشطوبة ويتحرك على رموت كونترول الثلاثية السابقة؟
يبدو أن واقع الحال صار كذلك، أي أن تدافع عن الانقسام وتقف ضد شطبه وتدافع عن ما تسمى بالشرعيات وأن تواصل لعبة التفرج على القضية التي تنهار أمامك، وفقط عليك رؤية جانب الاستقرار الأمني وإنهاء الفلتان والفوضى والمباراة بين السلطتين في تحقيق ذلك دون مجرد العودة الخاطفة نحو الوراء لسؤال بسيط لماذا لم يكن لا فوضى ولا فلتان ولا انقسام قبل انشاء السلطة؟ ومن خلق الفوضى والفلتان اللذين تتبارى حماس وفتح في إدعاء القضاء عليه؟
الغرق في الجزئيات للحديث عن الانجازات
نحن نمر بحالة تآكل داخلي مثيرة للرعب، ولكن الذين قزموا القضية إلى حاجات يومية لم تكن موجودة سابقا وإنما السياسات الفصائلية والسلطوية العقيمة والصراع على السلطة هي التي أوصلت الشعب لهذه المرحلة من البؤس لدرجة صار معها سماح الاحتلال لإدخال سيارة طحين إنجاز وطني عظيم، وصار رفع حاجز انتصار رائع، وعلى ذلك يمكن القياس في رؤية الفكر السائد صارت القضية خاضعة لمنطق الاجتهاد الفصائلي أو الشخصي وفقا وللأسف لمبدأ التجربة والخطأ، وكأن المسالة إجراء اختبارات لنجرب المقاومة المسلحة، لنجرب الحل السياسي، لنجرب المقاومة السلمية، لنجرب البناء، ولنجرب عدم التنسيق مع الاحتلال، لنجرب التنسيق، وما شاء للتجارب أن تكون.
كانت المسألة في مصادرة الأرض، صارت في الاستيطان، والآن في منتجات المستوطنات وغدا ربما في نوعية المنتج إذا ما استمر الركض خلف الجزئيات وعلى نفس السياق كانت المسألة في إنهاء الاحتلال صارت في وقف الأبعاد وفي رفع الحواجز وفي عدوان المستوطنين، وغدا غير معروف كانت المسألة في إنهاء الاحتلال صارت في فتح هذا المعبر أو ذاك وفي تسهيل التنقلات بين المدن أي باختصار نحن نركض نحو الخلف ونتحدث عن انتصارات فتح المعبر أو إنجازات رفع الحاجز. وماذا بعد؟ غير معروفة الاجابة
بماذا مشغولة الفصائل؟
المهزوم وحده الذي يبحث عن انتصارات وهمية، وقصة أسطول الحرية تقول كل شيء فهل هذا الأسطول سيحرر فلسطين؟ هل سترسل تركيا جيشها لمواجهة الاحتلال؟ هل سترفع قصة الأسطول الحصار عن القطاع لإقامة حفلات الانتصارات؟ فصائلنا مشغولة ليس بالأرض التي تصادر وليس بالاستيطان الذي استولى على اكثر من نصف الضفة أي أضعاف مضاعفة لمساحة قطاع غزة، وليس بهذا الجيل الشاب الذي يفكر اثنين من واحد منه بالهجرة إذا ما توفرت الفرصة، ولا بتوفير مقاومات البقاء في الارض وهذا أضعف الايمان في المقاومة، مشغولة بالسلطة والصراع عليها والوجاهة والامتيازات والغنائم والقتال ضد بعضها.
ماذا يهمني كمواطن عادي؟ هل مهم كثيرا من يحكم أم من يوفر للناس مقومات البقاء ومقاومة الاحتلال ووضع القضية على مسارها الصحيح تكتيكيا واستراتيجيا في مرحلة لا يعرف الناس ماذا يريدون بعد أن تقزمت الأهداف الوطنية من مقاومة الاحتلال إلى رفع الحصار ورفع الحواجز، وتقزمت أهداف الناس من الأرض إلى الخبز ومن المقاومة الجمعية إلى الخلاص الفردي (اللهم رأسي) فهل ستحرر أرضا وتوقف هجرة الشباب؟ وهل ستوقف استيطانا؟ وهل ستوفر لقمة الخبز بكرامة وهذا أقصى طموح عند الناس؟
لم يعد يهم الفئة المستفيدة لا أرض ولا شعب ولا ناس هذا واقع الحال كل ما يهمها مصالحها الخاصة إلا إذا اعتقد الناس أن مصدر الانقسام والصراع هو خلاف استراتيجي على من يحرر الأرض والشعب وهو خلاف على الكراسي ومن يجلس على الكرسي والمسألة لا تحتاج لأي اجتهاد فالمشهد اليومي كفيل بتأكيد ذلك.
السلطة لن تحرر أرضا
سلطة تعيش تحت رحمة الإحتلال سواء في القطاع أو الضفة لم يعد عندها ما تقدمه سوى إدارة شؤون الناس تحت سقف الاحتلال ورحمة أموال الخارج بكل أنواع الخارج، هل ستحرر الأرض والناس؟ وكيف؟ هل مطاردة الصواريخ البدائية التي تندرج في إطار (فشة خلق) هو الطريق لتحرير الأرض والناس وهل اعتبار عمليات المقاومة النادرة والتي هي ايضا (فشة خلق) جريمة أو عنف مرفوض سيحرر الأرض ؟ وهل وضع الاحتلال وجرائمه على نفس مستوى رد الفعل الفلسطيني العادي جدا سيحرر الأرض وينهي الاحتلال ويقيم الدولة؟
إن السلطة وظيفة إدارية بحتة لا تخرج عن النص الإداري بعد إن ربطت نفسها ماليا بالدول المانحة وبالدولة العبرية، التي تتحكم بالأموال لدرجة افتقاد العملة المعدنية في القطاع كنموذج حاضر أم هل سيعطف العالم (أمريكا وأوروبا) على الفلسطينيين ويعطوهم دولة يا للبؤس السياسي كمن يعتقد بأن إثبات حسن النية للدولة العبرية سيدفعها لإنهاء احتلالها وخاصة أن أوباما تعهد بإنهاء الصراع وحل الدولتين.
هناك من طاش في بحيرة أوباما ولكنه اكتشف أن المسألة ليست أوباما أليس اللقاء الأخير مع نتنياهو قال كل شيء وبوضوح الدولة الفلسطينية غير موجودة على صينية أوباما وأنما عند الفلسطينيين وما عندهم انقسام وصراع على سلطة إدارية.
من يتحمل مسؤولية هذه المرحلة ؟
الفرضية تقول بأن الذين أوصلوا القضية لهذه المرحلة مرحلة الضياع تحت مقتل الانقسام والصراع على السلطة يتحملون مسؤولية تاريخية لأنها، وفرض فرصة للحركة الصيونية للعمل بهدوء من أجل الإجهاز على القضية مصادرة وتهجيرا وهو جوهر القضية منذ البدء أرض وشعب.
هل على المثقف أن يغرق في هذه المرحلة ويتحول إلى جزء منها؟
أم أن المسألة صارت ارتزاقا ووسيلة للعيش وأكل الخبز؟