قال الرئيس محمود عباس انه مستاء من قرار حركة "فتح" تأجيل الانتخابات المحلية الفلسطينية التي كانت مقررة منتصف تموز/يوليو الحالي، وأضاف مخاطبا أعضاء المجلس الثوري للحركة الاسبوع الماضي "يجب ان نحاسب انفسنا على ما جرى واذا مر ما جرى دون محاسبة فاني اقول لكم على الحركة السلام هذا امتحان لا يبشر بخير لكل من هو مسؤول في فتح وانا لا اعفي نفسي من المسؤولية".
يحمل كلام او اعتراف الرئيس عباس بالأحرى العديد من الدلالات المهمة والخطيرة التي ينبغي التوقف عندها وقراءتها بشكل دقيق وعميق واستخلاص العبر والاستنتاجات المناسبة منها بداية ومن حيث الشكل او الاطار يشير قرار الرئيس الى ان حركة "فتح" هي من تقف وراء تأجيل الانتخابات المحلية ما يفرض على العديد من المتحدثين باسمها تقديم الإعتذار للشعب الفلسطيني عن الكذب وتزوير الحقيقة والادعاء ان ذلك تم بطلبات وضغوط فلسطينية وعربية وحرصا على المصلحة الفلسطينية العليا، رغم ان فصائل اليسار -وتحديدا الجبهتين الشعبية والديموقراطية- قالت آنذاك ان هذا غير صحيح والجبهة الديمقراطية أثبتت بالدليل القاطع أن قرار التأجيل غير قانوني ويتعارض مع الدستور الفلسطيني المؤقت -القانون الأساس- اما الاستنتاج الأهم في هذه الجزئية فهو عدم صحة كل ما يقال عن هيمنة السيد سلام فياض وتحكمه بالقرارات والسياسات الفلسطينية في الضفة الغربية.. يتضح هنا ان القرارات الكبرى والمصيرية هي بيد "فتح" او بالأحرى الرئيس وفريقه ولا يملك السيد فياض من أمره شيئا، وهنا قد يكون من المجدي أيضا الاطلاع على التقرير الأخير لمعهد كارنيغي الذي خلص الى ان السيد سلام فياض نفسه يقيم مؤسسات أقل فسادا أقل ديمقراطية وأكثر قمعا ايضا.
بعد تأكيد وقوف "فتح" وراء قرار التأجيل على خلفية عجز مؤسساتها الحزبية المختلفة عن اختيار قوائمها للانتخابات يصبح الأمر أسهل في تحديد المسؤوليات والمقصرين.. يفترض حسب المنهج المؤسساتي والمنظوماتي السليم ان تتحمل الهيئة القيادية العليا، أي اللجنة المركزية، النصيب الأكبر من المسؤولية عن القرار المريب، فبعد عام من انتخابها لم تقم بما ينبغي عليها فعله وترتيب أوضاع الحركة الداخلية بشكل شفاف ونزيه وديمقراطي.. وبتفصيل أكثر فان فاقد الشيء لا يعطيه، فاللجنة نفسها نتاج المهزلة التي شهدها مؤتمر "فتح" العام الماضي والصناديق الخاصة لبعض المرشحين –حسب المناضل والآدمي ابراهيم ابو النجا- وانزال احدهم بالباراشوت حسب تعبير أحمد قريع، علما ان عدداً مهماً ومعتبراً من قادة الحركة رفعوا مذكرة للرئيس أبي مازن شككوا فيها بشرعية المؤتمر وما تمخض عنه، واكثر من ذلك فقد دعا بعض اعضاء المجلس الثوري -الأكثر مشروعية وصدقا في التعبير عن المزاج الفتحاوي- الرئيس ابا مازن لمعاقبة واتخاذ اجراءات صارمة بحق عدد من اعضاء المركزية بسبب التجاوزات الخطيرة على الصعيد الداخلي والتلاعب بمصير "فتح" على مستوى الشارع وعدم التمكن من إنهاء مشاكل المخيمات الفلسطينية في لبنان.
إذن اللجنة المركزية مقصرة كهيئة واشخاص، وهي لم تقم بواجبها كونها نتاجاً غير ديمقراطي او نزيهاً وشفافاً وهنا تتبدى او ترتسم مسؤولية وتقصير الرئيس أبي مازن في القيام بواجبه كقائد ورئيس للحركة طوال عام كان العنوان على الحائط ظاهرا للعيان ورغم ذلك لم يحرك ساكنا او يفعل شيئا لايقاف التقصير ومحاسبة المهملين، واكثر من ذلك فهو لا يتحمل المسؤولية عن تقصير هؤلاء فقط، وانما عن الاتيان بهم الى سدة القيادة إثر المؤتمر الذي شهد في الحقيقة اهدار فرصة تاريخية لمراجعة الحقبة الماضية ومحاسبة المقصرين والمسؤولين عن خسارة الانتخابات التشريعية ومأساة وكارثة غزة ونهب المال العام والخاص.. أيضا لو تذكرون لم تقدم للمؤتمر أي وثائق ورفضت اللجنة المركزية السابقة بدعم من الرئيس تقديم أي تقارير مالية او سياسية وتم اهدار اعوام من العمل والتحضير من قبل اللجنة التحضيرية للمؤتمر عبر توسيع العضوية بشكل مشبوه ومريب لدرجة ان لا احد يستطيع حتى الآن تحديد عدد الذين شاركوا في المؤتمر كأعضاء هل كانوا الفين او ثلاثة او اربعة؟ ناهيك عن استخدام المال السياسي والسكرتيرات الحسناوات ايضا حسب تعبير المناضل حسام خضر- والصناديق الانتخابية الخاصة لانجاح المتنفذين وازلامهم.
حسب المعيار الاداري والديمقراطي والمنظوماتي السليم يتحمل الرئيس ابو مازن المسؤولية الجوهرية عن كل ما جرى ويجري، ويجب عليه ألا يتحدث كمراقب او كمحلل سياسي وحسب المفاهيم التي طرحها الرئيس ابو مازن نفسه يمكن القطع بأن المحاسبة غائبة والطاسة ضايعة والخلاصة صحيحة "على الحركة السلام"..!!
غير أن الأخطر والأكثر إيلاما يتمثل بالتساؤل الآتي: "كيف تستطيع حركة عجزت عن اختيار مرشحين للانتخابات البلدية –ليست البرلمانية اوالرئاسية- ان تحقق الآمال والطموحات السياسية للشعب الفلسطيني؟ واذا كانت تدير ملفاتها وتواجه تحدياتها بهذه الطريقة المهترئة ومعدومة المسؤولية فكيف يمكن الثقة بها للتعاطي مع قضايا مثل القدس والحدود واللاجئين حتى اذا افترضنا جدلا توافر النيات الطيبة والارادة الحسنة عند البعض من اعضاء اللجنة المركزية.
بناء على ذلك، لا داعي للاستغراب تجاه القفز من تنازل الى تنازل في المفاوضات كما من وصول المشروع الوطني الى ما وصل إليه من تأزم وإنقسام وعلى أبي مازن ان يتحمل المسؤولية كقائد وزعيم تجاه "فتح" وتجاه الشعب الفلسطيني ويعلن بشجاعة عن استقالته من مناصبه المختلفة والدعوة لانتخابات حرة ونزيهة لاختيار خلفاء له في "فتح" والسلطة والمنظمة وتكريس سابقة - بالأحرى قاعدة وضعها سيدنا عمر بن الخطاب منذ قرون- المسؤول عن تأجيل الانتخابات المحلية ومهزلة مؤتمر "فتح" وكارثة أوسلو والتفاوض بهذه الطريقة البائسة والمهينة -بعد 18 عاما لا يستطيع ابو مازن الذهاب الى عمان دون تصريح اسرائيلي وكبير مفاوضينا لا يستطيع التنقل من اريحا الى القدس دون تصريح مماثل حسب تعبيره الحرفي- هو القائد والزعيم وعليه الذهاب الى البيت ولكن بعد مصارحة الشعب الفلسطينى بالحقيقة لكى يتخذ بل يفرض ما يراه مناسبا.