لقد شكّلت الحكومة الفلسطينية الحالية ومنذ ولادتها تحوّلاً نوعياً لافتاً في النشاط والفعل والأداء. فكان لاختطاتها نهج رسم السياسات والرؤى الاستراتيجية والخطط القطاعية لكل وزارة على نحو تكاملي ممنهج، وإطلاق رؤية رئيس الوزراء د. سلام فياض للمشروع الوطني القائم على السير قدماً نحو إنهاء الاحتلال وبناء الدولة، علامتان بارزتان تؤشّران نحو مرحلة نهضوية عصرية جادة بكل معنى الكلمة.
في ضوء ذلك ومن رحم المرحلة، انطلقت وزارة العمل في وضع رؤيتها الاستراتيجية وبناء خطتها القطاعية، فكان للإرشاد والتوجيه المهني اهتماماً خاصاً، نظراً لأهمية هذا الموضوع في دعم وإسناد توجّه الوزارة نحو تنظيم وتطوير ورفع كفاءة سوق العمل الفلسطينية، كخط دفاع أوّل في مواجهة البطالة، الأمر الذي حدا بالوزارة لمدّ يد التعاون والتكامل والتنسيق مع الوزارات والهيئات المحلية والدولية ذات العلاقة، انطلاقاً من اعتبارها للبطالة قضية وطنية تشمل كل مكوّنات سوق العمل والشركاء الاجتماعيين والقطاع الخاص على وجه التحديد.
صحيح أن الوزارة، اليوم، قطعت شوطاً مهماً في عملية تطوير وبناء نظام معلومات سوق العمل باعتباره المقدمة الأولى لإنجاح رؤية الوزارة لقطاع العمل وآفاق تطوّره اللاّحق. لكن الإرشاد والتوجيه المهني باتا يُشكّلان أهمية حاسمة وواعدة في ضمان نجاح السياسات التشغيلية في فلسطين لا تقل منزلةً عن الأول، آخذين في الاعتبار أن التوجيه والإرشاد المهني لا يمكن أن يكون علاجاً بمقدار ما هو وقاية ناجعة تقرّب من العلاج إذا ما أُحسن الأداء فيها.
لكل هذا تعتبر وزارة التربية والتعليم العالي شريكاً أساسياً لوزارة العمل، لأن مسألة التوجيه والإرشاد تبدأ من المدرسة أولاً، إن لم نقل من البيت. وبالتالي يصح القول إن الإرشاد والتوجيه المهني عملية شاملة تستهدف الأفراد والجماعات في مختلف مراحل حياتهم التعليمية والتدريبية بكل المستويات وجميع أفراد المجتمع من الباحثين عن المهن وعن التدريب والعاطلين الباحثين عن فرص عمل أو الداخلين الجدد لسوق العمل، بما في ذلك الفئات المهمّشة وذوي الاحتياجات الخاصة. ولأجل كل هذا تقوم وزارتي العمل والتربية والتعليم العالي بالتعاون مع المؤسسة الألمانية للتعاون (GTZ) بتعزيز وتطوير الإرشاد والتوجيه المهني من خلال برنامج تعزيز التعليم والتدريب المهني والتقني وسوق العمل. كما أن أهمية التوجيه والإرشاد المهني تنبثق من كونها توفر لأفراد المجتمع آنفي الذكر المعلومات المهنية والمشورات والمقابلات وبرامج التعليم الوظيفي والبحث عن العمل، بحيث تساعد هؤلاء على تطوير الوعي الذاتي ومهارات إدارة حياتهم الوظيفية وخياراتهم المهنية على النحو الأفضل والمجزي. الأمر الذي يجعل توحيد العمل لخدمة التوجيه والإرشاد المهني على المستوى الوطني أولوية بامتياز. آخذين في الاعتبار أن نسبة البطالة في صفوف الشباب العربي باتت تفوق 52%، بينما على صعيد الشباب العالمي حوالي 48%، وفي فلسطين تعدّت 40%، سيّما وأن معدل النمو السكاني في فلسطين يقارب 3% مقارنة مع النمو السكاني في العالم العربي الذي فاق 2%. ومن بين النشاطات والأولويات التي وضعتها وزارة العمل نصب أعينها بالتعاون والتكامل مع مؤسسات المجتمع المدني والأهلي والقطاع الخاص والشركاء الاجتماعيين والمؤسسات التدريبية والوزارات المعنية، هي مسألة التدريب المجتمعي على التشغيل الذاتي وإنشاء المشاريع الصغيرة، وهذا محور من أهم محاور النشاطات المساعدة على تحقيق التنمية المستدامة ومواجهة آفتي الفقر والبطالة. ويأتي ذلك من خلال إدراك وزارة العمل وقناعتها الاستراتيجية بأن المشاريع المتوسطة والصغيرة تستطيع أن تسهم في توفير وإتاحة الفرص الكبرى أمام العاطلين عن العمل والمحتاجين له للتمكن والوصول لفرص العمل المجزية وللأنشطة المدرّة للدخل، ناهيك عن الأهمية التي باتت توليها الحكومة لتطوير الصناعات الصغيرة في اطار دعم وتعزيز التطورات الاقتصادية والاجتماعية والصلبة الوثيقة، ما بين هذا وتشجيع التشغيل الذاتي وبناء المشاريع الصغيرة.
ويمكن القول إن من بين أكثر الفئات استفادة من مثل هذه النشاطات ذات الطابع التنموي التشغيلي هم: الباحثون عن العمل من الشباب والكبار وكل الذين يبحثون عن التشغيل الذاتي وفرص إنشاء المشاريع الصغيرة، بما في ذلك الخرّيجين الجدد الراغبون في إدارة مشاريع صغيرة أو متوسطة خاصة بهم.
من هنا فإن لمكاتب التشغيل النموذجية والإرشاد والتوجيه المهني المقدم من خلالها للباحثين عن العمل من الفئات المشار إليها آنفاً، كونها تقدم خدمة التشغيل المتكاملة عَبر الشبّاك الواحد، والتي تقوم حالياً وزارة العمل بتأهيلها لهذه المهمة، أهمية كبرى واستراتيجية في تنظيم وتحديد الاتجاه المهني للباحثين عن عمل وفي رفع كفاءتهم وقدرتهم على البحث عن الوظائف الملائمة وفرص التشغيل الذاتي أو المشاريع الصغيرة التي تتناسب وخبرات كل باحث، ناهيك عمّا يوفّره "الإرشاد المهني" من خدمة الإرشاد نحو فرص العمل المتاحة وتسليط الأضواء على ما يستجد من توجّهات وتغيّرات حديثة في سوق العمل الفلسطينية الزاخرة بالمتغيرات على الدوام. صحيح أن مكاتب التشغيل تقدم خدمة التشغيل المتكاملة للباحثين عن العمل ولأرباب العمل على السواء من خلال توفير تبادل المعلومات بين الباحثين وأرباب العمل، وبالتالي تسهّل عملية المواءمة داخل سوق العمل. إلا أن عملية المواءمة ما بين الطلبة والمتدرّبين وسلامة التخصصات الواجب اختيارها، هي مسألة لا تقل أهمية عن سابقتها، وعلى أساسها يتوقف مدى نجاح المواءمة في سوق العمل من عدمه، والحصول على الفرص الرائجة، وفي كلتا الحالتين لا بدّ من وجود نظام معلومات كفؤ ومتطور ترتكز عليه عمليات المواءمة، ما يجعل لزاماً علينا مؤسسات وأفراداً أن نتحمل مسؤولياتنا بأعلى قدر من المسؤولية في مساعدة الطلبة على اختيار تخصصهم الجامعي أو التقني أو المهني بواقعية بنّاءة وباتزان، لأن في ذلك السبيل الأمثل لبرّ الأمان، آخذين في العناية والاعتبار جملة الأسئلة والتساؤلات التقليدية التي كثيراً ما تدور عادةً في أذهان الطلبة وذويهم مثل: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ ما هي المادة التي أحببتها أثناء دراستي؟ ما هي المهنة التي أودّ قضاء حياتي فيها؟ ما هو نمط الحياة الذي يُناسبني؟ ما هي المهنة التي تتناسب معي؟ ما هي المهنة التي ستُحقق مُتعتي وهوايتي؟ من هي الشخصية التي تُثير إعجابي فأقول أُريد أن أصبح مثل فلان؟ كلها أسئلة قد تكون بسيطة وتقليدية، لكنها عصفت في أذهان الطلبة ردحاً من الزمن بدءاً من باب المدرسة حتى محراب سوق العمل، ولا بدّ من الإجابة عليها كمؤشّر دقيق في الاتجاه الصح. وفي كل الأحوال يجب علينا أن نرفع الوعي المجتمعي في إعطاء الأولوية والاعتبار للتخصصات والخيارات المهنية كمخرج آمن من أتون الفقر والبطالة.