ما أن تسقط عبوة صاروخية على جدار أو على أرض خلاء، أو في شارع من مدينة لا تتوقعها؛ حتى يندفع المعنيون بالنفي، الى التبرؤ منها بمنطق التنصل من فعل مُشين. فالجميع، كلٌ من موقعه، غير معنيٌ بتاتاً بالتورط في تداعيات أي إطلاق ناري في اتجاه طرف مدجج بالسلاح، لا يردعه شيء عن الرد بكل إجرام. بل إن الأقطار التي لن تتلقى ناراً جوابية من الاحتلال، تصبح أشد انزعاجاً حين يُقال إن ناراً يمكن أن تنطلق من أرضها. والأغرب أن من يتدبرون أي إطلاق، فيما هم غير ذوي عناوين، لا يفصحون عن أنفسهم ولا يزعمون لمجموعاتهم نسقاً ولا زخماً، ليس لأن الإطلاق الذي يُتاح لهم، غير ذي جدوى فحسب، وليس لأن لا غاية له سوى رمي حجر في المياه الراكدة وحسب؛ وإنما لأن من بين المرامي غير الجهادية لمن يُطلقون ناراً تصيب مدينة عربية، أن يزداد المناخ الإقليمي إكفهراراً، وأن يتفاقم العُصاب الأمني، وأن تخرج فكرة المقاومة نفسها، من كل جاذبية تشدها الى الناس أو تشد الناس اليها. فالمعلوم بالتجريب، أن بعد كل إطلاق أرعن، لنار مخبأة، يتلقى الناس، لا سيما الفلسطينيون، أثقالاً أخرى على شكل مصاعب وقيود على الحركة، مما يخنق حياتهم ويعطل حركتهم الطبيعية، فضلاً عن التعقيدات السياسية، واستفادة المحتلين دعائياً، في السياق الذي يخدم موقفهم المتعنت.
* * *
المتبرؤون من أي صاروخ، إن كانوا من "حماس"، يمارسون ما يرونه حقاً طبيعياً في أن يكونوا على ما هم عليه، غير مقتنعين وغير ممارسين للمقاومة. بل إن خطابهم يؤكد أن سعي أي طرف الى إطلاق؛ يقع في خانة التآمر عليهم واقتراف الفعل المشبوه واللاوطني الذي يؤذيهم. وإن كان المتبرؤون من الفقاقيع الجهادية السلفية، فإنهم يتحاشون الإعلان عن أنفسهم ومن ثم عن خططهم لكي لا يستدل طرف أمني على أثر يقود الى مكامنهم. إن منطقتنا العربية الآن، باتت خائفه من السلاح، وهذا هو كبد الحقيقة حين نضع طنين الكلام، على اختلافه، جانباًً!
أما بؤس الحال الذي نحن فيه، فإنه يضطرنا الى البحث عن سبل النجاة برؤى عاقلة ومنطق حكيم. إن تمسكنا بالمكابرة، لن يوصلنا الى شيء أو الى أي مكان، فلسطينيين كنا أم عرباً أو مسلمين. بل على العكس سنمضي في تفتيت كلّ ما بقي موحّداً أو قليل التفتّت في بلداننا ومجتمعاتنا. إن بعض السطحيين يرون في فكرة التوافق على المشروع الوطني الفلسطيني الذي لا يوائمه الصاروخ ولا الخيار العسكري؛ أقصى مراحل الهوان بل يرون فيه ذروة الكارثة والعار، وهذا غير صحيح، لأن طريق الانحدار لا نهاية له، ومن الشجاعة أن نتمسك بخيار التحرر الوطني وان نعد له عدته النفسية أولاً، وأن نخرج من دوامة يخلط فيها الخالطون، الدم الزكي، مع الكذب والبلاهة والمصالح الصغيرة وتعليلات الموت في "مهمات جهادية". نتطلع الى تعزيز الإحساس الطبيعي بمفهوم الوطن، وبأهمية الشرعية السياسية، دونما حاجة الى إشكاليات النار التي ترهقنا. ويعجب واحدنا حينما يسارع الناطقون الحمساويون الى التبرؤ من كل صاروخ، في الوقت الذي لا يغادرون فيه عجزهم عن الحراك في الاتجاه الذي يجعل التبرؤ من الصاروخ سياسة واقتداراً، لا ذُعراً يعادل الخيبة!
* كاتب فلسطيني من قطاع غزة. - adlisadeq57@yahoo.com