أيا كانت الجهات التي تقف وراء إطلاق الصواريخ الأخيرة من الأراضي المصرية، وأيا كانت أصابع الإتهامات، ومن يتحمل المسؤولية عنها، وتحميل المسؤولية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للفصائل الفلسطينية رغم نفي هذه الفصائل لها، فإن المحافظة على أمن مصر يشكل مصلحة وطنية فلسطينية عليا ـ فأمن مصر محور وأساس للأمن القومي العربي كله، وأي تهديد لأمن مصر ليس مجرد تهديد لمصر، بل هو تهديد لأمن أمة بأكملها، وحيث أن القضية الفلسطينية تقع في قلب الأمن العربي، فإن هذا التهديد يضر بالقضية الفلسطينية، ويحولها عن مساراتها العربية وهذا أمر غير مقبول فلسطينيا. ولا شك أن أي شكل من أشكال التوتر والتدهور في العلاقات بين مصروغزة بإعتبارها جزءا صغيرا من قضية أكبر، ستنعكس سلبياته على كل مظاهر الحياة في غزة، وعليه فالمحافظة على أمن مصر، وإحترام مصر كدولة عربية مركزية قيادية في قلب عالمها العربي، مسألة حيوية، وينبغي أن تترجم في سلوكيات وأفعال حقيقية. فعلى مدار تاريخ الصراع كله إرتبط مصير فلسطين بقوة مصر أو ضعفها، وليس بقوة أو ضعف أي دولة اخرى. مصر دولة لها سيادتها على أرضها، وتربطها إتفاقات وإستحقاقات دولية تحكمها رؤيتها لأمنها ومصالحها الحيوية، كأي دولة أخرى، وعليه، فإن إدراك هذا الأمر ينبغي أن يشكل أحد مدركات السلوك السياسي الفلسطيني على كافة مستوياته.
ومصر لفلسطين وللفلسطينيين ليست مجرد دولة عادية، وليست مجرد ممر للدخول والخروج، بل هي أعمق وأبعد من ذلك، حاضنة سياسية وإقتصادية وعمق إستراتيجي وإمتداد إجتماعي وعضوي يربط بين الشعبين الفلسطيني والمصري، وهي عمق تاريخي يمتد لآلاف السنين وإلى رسائل تل العمارنة التي طلب فيها الحاكم الكنعاني في فلسطين الحماية من فرعون مصر آنذاك رمسيس الثاني. وهكذا ومنذ التاريخ إرتبطت التطورات السياسية في فلسطين صعودا وهبوطا بقوة مصر او تراجع دور مصر إزاء فلسطين. وقد تبدو هذه العلاقة أكثر إلحاحا بالنسبة لهذا الجزء الصغير من فلسطين وأقصد قطاع غزة والذي قد إرتبط إرتباطا سياسيا وأمنيا وجغرافيا وإجتماعيا بمصر، ولا يمكن تصور أي شكل من أشكال الكيانية السياسية في غزة دون أن تكون حاضنته وعمقه السياسي والأمني مصر. وفي هذا السياق لا يمكن أن تقارن العلاقة بمصر بأي علاقة مع أي دولة أخرى وذلك لأمرين مهمين إضافيين: الأول وهوالعمق والدور الحاضن الذى يوفر الهوية الذاتية لهذا الجزء من فلسطين وهو ما عملت وحرصت مصر عليه طوال إدارتها لقطاع غزه منذ العام 1956، والأمر الثاني ان مصر تشكل الحاضنة الآمنة والحامية لقطاع غزة. لأن البديل الآخر وهو إسرائيل يعني إمتصاص وإحتواء هذا الجزء في كيان أوسع وأشمل يفقده هويته وإستقلاله السياسي والإقتصادي وحتى الأمني. وصحيح أن قطاع غزه يشكل البوابة الشرقية لمصر ومن مصلحة مصر أن يبقى هذا الجزء آمنا ومستقرا وبعيدا عن الوقوع في يد قوة معادية، إلا أن المعطيات الجغرافية والسياسية فرضت على القطاع أن لا يملك إلا هذا المنفذ البري الوحيد عبر بوابة رفح المصرية، فالقطاع محاصر من جميع المنافذ والمخارج البرية والبحرية وحتى الجوية من قبل إسرائيل، ومخرجه الوحيد هو هذا المعبر الذي لا يزيد طوله عن عدد من الكيلومترات التي لا تزيد عن 14 كيلو مترا وبعمق يقل عن مائة متر مما يؤكد عمق الإتصال والتواصل الجغرافي. وعليه تجاوزت العلاقات بين الشعبين العلاقات بين أي دولتين أو شعبين آخرين لتتعمق في علاقات مصاهرة وزواج وعمل وإقامة وتعايش مع كل المناسبات الوطنية وحتى الكروية لذلك تجد أبناء القطاع منقسمين الى جانب إنقساماتهم السياسية الطارئة الى مشجعيين كرويين بين الناديين الكبيرين الأهلي والزمالك.
ولكل هذه المحددات والمعطيات كان طبيعيا أن تولي مصر أولوية وإهتماما خاصا بشؤون القطاع وسكانه ولذلك ينظر أبناء القطاع دائما إلى مصر أن تقدم لهم المزيد من الخدمات والمواقف الحاضنة. وقد تصل الأمور في العلاقة أن يشكل قطاع غزة المركز الأساس وبؤرة العلاقات بين الشعبين، وفي الوقت ذاته علينا أن ندرك أن لمصر دورها الإقليمي والدولي بحكم مكانتها القيادية في العالم العربي والإسلامي وأن لمصر رؤيتها لأمنها القومي ومحددات وإستحقاقات دولية تحكم علاقاتها بالدول الأخرى، وعلى الفلسطينيين أن يتفهموا ذلك، ولذلك أولى الخطوات الصحيحة في علاقات متينة وقوية ومستمرة وفي الوقت ذاته تخدم المصلحة الفلسطينية ومصلحة أبناء القطاع ان يكون قطاع غزة مكملا في عناصر الأمن القومي المصري، ان لا يشكل بأي حال من الأحوال قاعدة لأي تنظيم كـ"القاعدة" وغيرها يمكن أن يعرض أمن مصر للخطر، وأيضا الإبتعاد عن كل الممارسات التي قد تشكل إحراجا لمصر وخصوصا عبر الأنفاق والتي قد تساهم في تخفيف حالة الإختناق التي يتعرض لها سكان القطاع لكن بالإبتعاد عن الأنشطة التي تشكل خطرا كتجارة السلاح والمخدرات وغيرها.
هذا ولقد إنعكست العلاقة بين قطاع غزة والشقيقة الأكبر أو الأكثر دقة الأم الحاضنة لوليدها في العديد من المجالات السياسية والأمنية والإقتصادية والإنسانية ولا يتسع المجال هنا لتحديد هذه الأبعاد، فكانت مصر أول من أنشأت لها سفارة في القطاع، الى جانب بعثتها الأمنية الدائمة والتي ساهمت كثيرا في تهدئة الصراعات بين القوى الفلسطينية وخصوصا بين حركتي "فتح" و"حماس" وكانت هذه المقار أشبه بالبيت الذي يلجأ اليه الفلسطينيون بحثا عن الحلول، وأحتضنت مصر الحوارات الفلسطينية ووفرت لها الغطاء الكافي، ولعل لذلك من دلالات سياسية عميقهة تؤكد عمق العلاقات وإستمرارها وتواصلها رغم كل الصعوبات والمعوقات التي قد تعترض طريقها.
أعود ثانية على التأكيد على دور مصر القومي إزاء القضية الفلسطينية، وأهمية إستمراره دعما للشعب الفلسطينى وقضيته، و لقد تزايد هذا الدور بعد فوز "حماس" في الإنتخابات الفلسطينية وسيطرتها الكاملة على قطاع غزة وما صاحب ذلك من حصار وغلق كامل للمعابر مما فرض مسؤوليات متزايدة على مصر وخصوصا نحو سكان القطاع الذين لم يعد لهم منفذا أو معبرا إلا مصر. ومنذ البداية إتخذت مصر موقفا واضحا ومحددا من هذه التطورات الفلسطينية بإنتهاج سياسة الخيارات المفتوحة وعدم قطع علاقاتها بالقطاع وسكانه وحتى بحركة "حماس" وهذا تفرضه كما أشرنا خصوصية العلاقه، ولذلك حرصت على الدعوة المستمرة للحوار وتبني أي لقاء بين القوى الفلسطينية. ومن هنا لا ينبغي تعريض هذه العلاقة فلسطينيا لأي شكل من أشكال التوتر لأي سبب، ففي مثل هذه قضايا يمكن أن تسوى الأمور بطريقة عقلانية هادئة بعيدة كل البعد عن لغة الإنفعال. وكما ان الفلسطينيين حريصون على هذه العلاقات، فبلا شك مصر حريصة عليها من منطلق أمنها وإلإعتبارات التي أشرنا إليها والتي تحكم علاقتها بقطاع غزة، ولعل الخطوة الأولى أن يبقى قطاع غزة منطقة داعمة ومساندة وآمنة لأمن مصر بإبتعادها عن كل ما يشكل خطرا والحيلولة دون أن يتحول القطاع إلى قاعدة للعنف وتصديره، وبدلا من ذلك علينا أن نفكر في كيفية تطوير هذه العلاقات وتمتينها من خلال العديد من نماذج التكامل والتنسيق في شتى المجالات، وبقدرإدراك الفلسطينيين لكنه العلاقات بينهما وإدراك لدور مصر الإقليمى والدولي بقدر قيام مصر بمسؤولياتها القومية إزاء القضية الفلسطينية وعلى وجه الخصوص قطاع غزة.