نتنياهو" مأزوم في عدة ملفات داخلية وخارجية. هو بالكاد سيستطيع هذه المرة أن يخرج منها سالما؛ دون أن يدفع ثمنا لم تعهده دولة الاحتلال من قبل؛ فهو مأزوم على المستوى الداخلي؛ بحيث لم يستطع الإفراج عن جنديه "شاليط"؛ لا بصفقة تبادل، ولا بالقوة واليد الطولى التي عود العرب عليها.
ظاهريا يبدو أن "نتنياهو" لا يشكو من تصدع في حكومته؛ ولكن مع استمرار إخفاقاته وتراجع هيبة جيشه كما حصل في جنوب لبنان قبل أيام، وعدم قدرته على حماية كيانه من المخاطر التي تحيط به حتى من صواريخ بدائية تتساقط هنا وهناك، فان قدرته على الصمود باتت بحاجة إلى مراجعة. بالمقابل لا احد ينكر تحقيق "نتنياهو" نجاح آني على مستوى فرض شروطه والعودة للمفاوضات المباشرة.
كل من استمع لتهديد ووعيد "نتنياهو" للبنان وغزة قبل أيام لا يصدق أن هذه دولة الاحتلال كانت يوما قليلة الكلام كثيرة العمل؛ واحتلت ارض دول عربية في ستة أيام؛ فمن يريد أن يفعل شيئا لا يهدد ولا يتوعد؛ بل يفعل ويحقق النتائج والأهداف. عودتنا دولة الاحتلال في الماضي ونحن مكرهين على المفاجأة وقوة الفعل وشن الحروب واليد الطويلة، ولكن يبدو أن يدها باتت قصيرة ولسان "نتنياهو" هو الطويل.
يعتقد "نتنياهو" إن زيادة الضغط على الفلسطينيين هو لصالح كيانه كما حصل من إجبارهم على العودة للمفاوضات المباشرة دون أن يدفع ثمنا ويرجع ولو حقا من حقوق الشعب الفلسطيني المقهور والمظلوم. "نتنياهو" بذلك من حيث يدري و لا يدري إنما يقوي من شوكة الرافضين لوجود كيانه في المنطقة.
قدرة " نتنياهو" على خوض الحروب باتت محدودة بفعل تغييرات إقليمية ف"دوام الحال من المحال" كما قالت العرب قديما. لو كان "نتنياهو" يملك خيارات الحرب لما تردد لحظة واحدة كي يستعيد ويحافظ على هيبة كيانه المشروخة والتي تزداد تصدعا يوما بعد يوم، وهو لا يملك غير السكوت والانتظار.
مع تزايد الضربات الموجعة وخسارة أمريكا والغرب المتواصلة عموما في أفغانستان، وخسارة العراق، فانه من الصعب على أمريكا أن تفتح جبهة إيران التي هي اكبر واخطر من الجبهتين الأخيرتين. "نتنياهو" يدرك ذلك ولذلك تجده يبلع ريقه في حادثة العديسية بجنوب لبنان قبل أيام، ويكتفي بالتهديد والوعيد والويل والثبور وعظائم الأمور.
يستطيع "نتنياهو" أن يمارس الضغوط على الجانب الفلسطيني؛ كونه الجانب الأضعف في المعادلة، وواقع تحت احتلال مباشر لا يرحم ولا يدع احد يرحم هذا الشعب المسكين، ولكنه على المدى البعيد يخسر ويتراجع ويفقد هيبة الردع، وصار كيانه منبوذا على مستوى العالم، فتراكم الأحداث وتتابعها لا تصب في مصلحة كيانه.
المنطقة باتت على فوهة بركان. نتنياهو يعلم ذلك ولكنه لا يجرؤ ولا يملك من البدائل الكثيرة تجعله البطل، وصانع أحداث أو من يملك توجيهها؛ لأن أمريكا ومصالحها ومصالح الغرب عموما تعلوا على مصالح الكيان، وان كانت تتلاقى في الكثير.
خلاصة القول إن دولة الاحتلال ما عادت كالماضي باليد الطولي التي تدب الخوف والرعب في الدول العربية المحيطة؛ فهي قاب قوسين أو أدنى من تلقي الضربات الموجعة التي ستقوض كيانها الغاصب. على "نتنياهو" أن يستعد لمرحلة التراجعات في كيانه، فكما كانت لدولته بداية، حتما لها نهاية، والتي بانت إماراتها.