في ظل حالة الشدّ والجذب وعضّ الأصابع القائمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ومحاولات اليمين الـمتطرّف الإسرائيلي تضييق الخناق والسبل على الفلسطينيين في التفاوض، وبعد أن ركل العرب الكرة في الـملعب الفلسطيني ركلة رجل واحدً وبرجلٍٍ واحدة، وتسلـم الفلسطينيون رسائل تهبيط الحيطان الشفهية والضمنية والـمكتوبة، لا تزال الساحة الفلسطينية تعيش حالة من الترقّب والجدل بشأن تشكيل أو إعادة تشكيل أو إضافة أو تعديل الحكومة الفلسطينية.
فالرئيس أبو مازن ورئيس وزرائه الدكتور سلام فياض يصارعان كل الضغوط ويواجهان كل التحديات لركل الكرة وردّها من الـملعب الفلسطيني بالاتجاه الصحيح والآمن الذي يحفظ الـمصلحة الوطنية الفلسطينية في أي تفاوض مباشر كان أو غير مباشر، بينما ينشغل الكثيرون في الشارع الفلسطيني وفي فلكهم يسبحون بحثاً عن ضمانة للـمشاركة في الحكومة، وكأنما مشاركة أي فصيل أو أي شخص كائناً من كان باتت تشكل هدفاً بحدّ ذاته وشغلاً شاغلاً للشعب الفلسطينيّ!!
وحتى يكون ضميرنا الوطني هو البوصلة الهادية لسواء السبيل، فإن علينا أن ننطلق وبجرأة شفّافة وواضحة من بعض الحقائق الـمهمة. فطالـما أن الرئيس أبو مازن هو القائد الـمؤتمن الذي يخوض غمار الـمرحلة بقضّها وقضيضها فتحاً وسلطة ومنظمة تحرير، يصبح من حقه أن يختار الشخوص والهيئات القادرة على حمل الـمسؤولية، والقادر هو على العمل معها لتحقيق برنامجه الوطني الذي هو برنامج الشعب الفلسطيني، بعيداً عن كل الـمحاصصات وتوزيع الـمغانم والـمكاسب من أية جهة كانت. فهو رئيس كل الشعب الفلسطيني ورئيس الوزراء د. سلام فياض هو رئيس حكومة الشعب الفلسطيني الذي اختاره واختارها الرئيس الـمخوّل بالاختيار والتقرير بكل معاني الشرعية والقانون الواسعة منها والضيقة. منطلقين من حقيقة ثابتة وهي أن الشعب الفلسطيني، وحقوقه وموارده، ليس ملكاً لأحد ولا لأي فصيل بل العكس هو الصحيح، فكلنا للوطن، مثلـما الوطن كله للجميع. فـ"فتح" والفصائل وجدت لأجل فلسطين ولـم تكن فلسطين قد وجدت لأجل الفصائل و"فتح".
إن شكل مشاركة "فتح" ووجودها في الحكومة وأية حكومة سواء أكانت بأغلبية أم بأرجحية أم بمشاركة عادية، لا يمكن أن يكون هدفاً بحد ذاته، بقدر ما يتحدّد الأمر بظروف ومكوّنات الـمرحلة وظروف تلك الـمشاركة قياساً بمتطلبات وضرورات الـمشاركة ذاتها. فطالـما أن الرئيس "أبو مازن" هو رئيس "فتح" ورئيس منظمة التحرير والسلطة الوطنية، فإن أية حكومة يقرّرها الرئيس ستكون في جوهرها ونبضها وفعلها وكامل مشمشها "فتحاوية" وإن لم تنتمِ. ولعمري أن الرئيس أبو مازن صاحب الباع والذراع في معمعان النضال السياسي القائم لأجل الـمشروع الوطني الفلسطيني منذ بواكير النشأة والتبلور، لديه من الحكمة والتبصر والبصيرة، ورصيد من الثقة الوطنية يكفي لضمان تشكيل الحكومة ضمن التركيبة ليس التي نرغب ونتمنى وحسب بل والتي تتطلبها الـمرحلة، وتمليها الـمصالح الوطنية العليا لحماية حقوقنا ومشروعنا الوطني بعيداً عن حسابات الأفراد والفئات اللاهثة وراء الفوز بالـمشاركة لذاتها وحساباتها الخاصة وأضيق.
كثيرة هي الأحزاب والتجارب التي خاضتها شعوب سبقتنا نحو الحرية والاستقلال، والتي كانت تتجلّى فيها عمليات التطور والتحول والبلورة في خضم مراحل النضال والـمد الوطني الثوري، تتحول وتحوّل ذاتها الحزبية في لحظة من اللحظات التاريخية الشبيهة بلحظتنا الراهنة بكامل ظروفها ومكوناتها من حزب الطبقة أو النخبة الواحدة إلى حزب لعامة الشعب يكون الإطار الأوسع والأشمل والأعم. عندها يصبح كل من ينتمي للبرنامج وللفكرة ويدافع عنها أو يتساوق ويتناغم معها جزءاً لا يتجزأ من مكونات الحزب ذاته لأنه يعمل تحت سقف برنامج الحزب ولأجله بصرف النظر عن الشكل التقليدي لعضوية ذات الحزب.
نعم هذه هي الحقيقة التي قد لا تروق للبعض، فلـم تعد عضوية الأحزاب تحسب بما هو مكتوب في سجلات العضوية الحزبية وعلى الورق بمقدار ما هو مجسد وقائم على أرض الواقع بالفعل والقول والعمل، وكم من الأعضاء في أحزاب وقوى لا وجود لهم إلاّ على الورق ولربما فقدوا حتى عن الورق، وتمثيل بعضهم لفصائلهم في الحكومة كثيراً ما يجلب الضرر والإساءة أكثر مما يجلب الفائدة.
لكل هذا فإني أرى أن على "فتح" الرائدة والقائدة لـمشروعنا الوطني، أن تأخذ في الاعتبار والـمنظار الواسع هذه الحقيقة وتقلع إلى غير رجعة عن تمسكها بالشكل التقليدي لوجودها في السلطة وحجم وطبيعة مشاركتها بها وتنحاز للشكل والتركيبة التي تخدم البرنامج وتكرسه وتحميه، فذلك خير وأبقى وأحسن عملاً، لأن في هذا تجليات التطور والحداثة والتقدم الحقيقي إلى الأمام، لـ "فتح" و"الفتحاويين" أولاً وللحركة الوطنية الفلسطينية ثانياً، ناهيك أن خراج أية حكومة مهما ضاقت أو رحبت أو كان شكلها، عائد إلى "فتح" كبرنامج ومشروع وطني لا كأفراد ومصالح براغماتية فردية ضيقة، ذلك لأنها ــ أي "فتح" ــ ما زالت هي القائد والـموجّه الحامل للواء الـمشروع الوطني الفلسطيني عبر ثلاثية قيادتها الـمباشرة للسلطة الوطنية ومنظمة التحرير وحركة "فتح" في آن معاً.
في ضوء كل هذا وما سيتبعه ويليه، فإنني أجرؤ على القول كذلك أن التمسك بثنائية الرئيس "أبو مازن" والدكتور سلام فياض تحديداً لا تزال ضرورة ملحة ووطنية بامتياز لحماية مشروع الشعب الفلسطيني الذي تقوده وتحمله هذه الثنائية بجدارة واقتدار، ولأن أحداً كائناً من كان لا يمكنه أن يتجاهل أن لهذه الثنائية وقفات وبصمات بائنة في تحسين الأداء وتطوير عمليات الضبط والربط والقوننة والـمؤسسية الناجحة في جل مناحي حياة شعبنا ومكونات ومؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية. وبالتالي فإن نجاح أية حكومة فلسطينية مقبلة أو حالية ما زال يعتمد على استمرارية هذه الثنائية الكفؤة والجديرة بكافة الـمعاني الواسعة منها والضيقة، فمن أراد مصلحة شعبنا بمنظور واقعي متوازن وجاد لا يمكن له أن يكون إلاّ مع استمراريتها والالتفاف حولها لا بتكسير مجاديفها، باعتبارها بحق مصلحة عليا بعيداً عن العصبوية الـمقيتة والفئوية الضيقة والشخصنة. فلو لـم يكن لدينا فياض لتوجب علينا أن نبحث عن فياض هذه الـمرحلة.
كل هذا وغيره يؤكد أن البرنامج الوطني الواسع الحامل للـمشروع الفلسطيني الساعي لإنهاء الاحتلال وبناء الدولة، هو في الجوهر والـمعنى برنامج "فتح"، وحركة "فتح" بلا شك هي الـموئل والاطار الأوسع والأشمل بالـمفهوم الوطني لحركة النضال الفلسطيني.
الـمسألة إذاً هي مسألة برنامج الحكومة وليس شخوصها، وما سيحدد مدى "فتحاوية" أو "استفتاحية" هذه الحكومة أو تلك من عدمه، هو الأداء وقرب الحكومة أو بعدها ومدى التزامها بمحدّدات البرنامج والـمشروع الفلسطيني وبالرؤية الفلسطينية التي حمل لواءها د. سلام فياض. فيا فوز "فتح" والـمستفتحين وعِزَّةالـمشروع الوطني الـمبين.
نعم، إن "فتح" هي الفكرة والبرنامج ونبض الشارع الفلسطيني بكل الـمعاني والأبعاد الوطنية بالمفهوم الواسع والضيق معاً، وليست مشروعاً خاصاً بمصالح فردية أو فئوية ضيقة لا تعمل إلاّ لذاتها على حساب الذات الوطنية الأعم والأشمل والأسمى. ولعلّ في مكونات وشرائح الـمجتمع الفلسطيني اليوم الكثيرون ممن يعملون تحت لواء برنامج "فتح" من حيث يدرون أو لا يدرون ويدافعون عنه بعناد خيار وطني دون أن يكونوا منتمين لعضوية "فتح" بالـمعنى التقليدي والحرفي للكلـمة، ذلك لأن معايير ومحدّدات الانتماء الحقيقي تتجسّد بالقول والعقل والفعل والـممارسة والالتزام بروح الفكرة والبرنامج.
فلتكن الحكومة حكومة الشعب الفلسطيني أولاً، وبكل ما تعنيه الكلـمة من معنى بعيد أو قريب ضيق أم واسع، ولتكن مشاركة "فتح" أو أي فصيل بها الوسيلة الأهَمْ لاّ الهدف الأصَمْ، وذلك هو الفوز العظيم