جاؤوا كالخفافيش، في الهزيع الأخير من إحدى ليالي شهر أيار 2010،
نهبوا ما طالته أياديهم،
واختطفوا "أمير مخول"،
اقتادوا رئيس لجنة الحريات، المنبثقة عن لجنة متابعة شؤون عرب الداخل العليا، ومدير عام جمعية اتجاه- اتحاد جمعيات أهلية عربية، إلى حيث تسلب الحريات وتقيَّد بالأصفاد،
حرموه من النوم، وأوثقوه إلى كرسي صغير، وأبقوه لساعات وساعات في وضع غير إنساني، ولم يسمحوا له بمقابلة محاميه، وطلبوا منه أن يعترف بما يعتقدون أنه فعل: "أن أشرح لهم بطريقة مفصلة جداً كيف فعلت ما لم أكن قد فعلته أبداً".
وبعد أن عرَّضوه للاعتقال الانفرادي لمدة 21 يوماً، وعذَّبوه، ثم وجَّهوا إليه اتهاماتهم؛ شقَّت السماء صرخة ابنته الصغرى هدى: لا تخف يا بابا، هم من يجب أن يخافوا منك".
*****
هل هناك جديد في طريقة اعتقال الناشط السياسي المجتمعي "أمير مخول"؟
هل اختلفت عن طريقة اعتقال الناشط السياسي "د. عمر سعيد"؟
هل اختلفت عن طريقة اعتقال عميد الأسرى جميعاً: "نائل صالح البرغوثي"، الذي اعتقل منذ عام 1978؟ أو عن طريقة اعتقال عميد الأسرى المقدسيين: "فؤاد الرازم"، الذي اعتقل منذ عام 1981؟ أو عن طريقة اعتقال عميد أسرى قطاع غزة: الأسير "سليم كيال"، الذي اعتقل منذ عام 1983؟ أو عن طريقة اعتقال عميد أسرى الداخل: الأسير "سامي يونس"، الذي اعتقل منذ عام 1983؟
*****
لن يصبح الاعتقال اعتيادياً بالنسبة للأسير أو ذويه، رغم اعتقال الآلاف، وزجِّهم في السجون.
وعلينا ألاّ نسمح بتحوِّل الاعتقال إلى أمر عادي.
كل مرة يتمّ فيها اعتقال؛ تكون أول مرة للأسرى، أو لذويهم: لأسرهم أو أحبائهم أو أصدقائهم.
يوضع الأسرى في أقبية السجون؛ بينما تعيش عائلاتهم في سجون أكبر. هم لا يعتقلون أفراداً؛ بل يعتقلون عائلات بأكملها.
وبناء على ذلك؛ وحين نحصي الأسرى؛ علينا أن نضيف متوسط عدد عائلاتهم، إلى أعدادهم.
تتوقَّف حياة ذوي الأسرى، بعد اعتقال أحبائهم،
لا ينامون الليل أو النهار، ينتظرون تصريحاً للزيارة، قد يتأخر شهوراً، أو لا يجيء أبداً. والعائلة التي تحصل على هذا الإذن؛ تواجه تفتيشاً مذلاً، وانتظاراً لساعات تحت الشمس الحارقة أو المطر، وحرماناً من الزيارة لأبسط الأسباب. وإن حصلت العائلة على التصريح؛ فمدة الزيارة لا تتعدَّى الأربعين دقيقة، في أفضل الحالات، وهي ممنوعة من العناق أوالمصافحة.
ولا يختلف الحال بالنسبة لمحامي الأسرى، فرغم أن القانون يُلزم إعطاء المجال للقائهم بموكليهم، في ظروف ملائمة، تسمح بالاتصال المباشر؛ أي بدون حواجز زجاجية؛ إلاّ أن شهادات محامي الأسرى، وبعض المراكز القانونية؛ تدل على أن القانون ينتهك بشكل دائم.
وأحد الدلائل على هذا الاستنتاج، ما نشره "مركز عدالة القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل"، شهر تموز الماضي، بشأن الأسير "أمير مخول"، حين توجه محامو الدفاع عنه، إلى المستشار القضائي للحكومة، وطالبوه بإصدار تعليماته فوراً، لفتح تحقيق جنائي، في عملية التنصت على المحادثات التي أجروها مع "مخول"، في المعتقل. وذكر المحامون، أن سلطة السجون تنتهك بشده الحق الدستوري لموكِّلهم، بالتشاور مع المحامين على انفراد وبسرية تامة، كما تلزم تعليمات القانون، وذلك منذ تقديم لائحة الاتهام بحقه.
*****
تتحدَّث الباحثة والناشطة المجتمعية "جنان عبدو"، عن الحرب النفسية التي تواجهها، هي، كزوجة "أمير مخول"، وزوجات الأسرى؛ ليتحوَّل نضالهن إلى قضية تحد وصمود.
لم يسبق لجنان عبدو، أن فكَّرت بنفسها باعتبارها مجرد "زوجة": "وإنما أعتبر نفسي شريكة لأمير في الحياة وفي النشاط. أما في هذه الأيام، وفيما أنتظر مع باقي الزوجات وقت زيارتنا المخصَّصة؛ فإنني أجد نفسي أتأمل مواثيق الزواج المسيحي التقليدي التي تقول: "ما جمعهما الله معاً، لا يفرِّقهما إنسان". وأعتقد أنه لا يفعل ذلك إلاّ إذا كان سجاناً إسرائيلياً".
"هي معركة ولا نستطيع أن نرفع أيدينا، هي معركة شخصية ومعركة جماعية ولا نستطيع التراجع، وأشبِّه المعركة بعملية الولادة. لا يستطيع الإنسان أن يرفع يديه ويقول: لا أريد المواصلة، عملية صعبة وقاسية جداً، تجربة قاسية جداً على المستوى الشخصي، والثمن الشخصي ثمن قوي؛ لكنها معركتنا ولم نختر أن يضعونا في الموقف، ولم نختر هذه الدولة ـ تاريخياً- أن تأتي إلينا، هي أتت إلينا، ودورنا أن نصمد ونقاوم بالطرق الشرعية والقانونية، دورنا أن نحافظ على هويتنا ووجودنا. وأراها معركة وجودية على المستوى الشخصي التام وعلى المستوى الجماعي، ما نمر به كعائلة؛ هو ثمن شخصي، ومعركة شخصية وجماعية بنفس الوقت".
*****
في الوقت الذي يخوض أسرى الحرية معركة الصمود داخل المعتقلات، في وجه التعذيب والترهيب، وتخوض عائلاتهم معركة شخصية ومعركة جماعية؛ يأتي إطلاق الحملات الوطنية للإفراج عن بعض الأسرى؛ منسجماً مع ضرورة إبراز دور كل أسير على حدة، حيث لا يتحوَّل الأسير إلى رقم ضمن آلاف الأرقام؛ بل إلى إنسان، من لحم ودم وتاريخ.
وإلى جانب إطلاق الحملات الوطنية للإفراج عن القادة: "إبراهيم أبو حجلة"، و"مروان البرغوثي"، و"أحمد سعدات"، و"باسل الخندقجي"، والشيخ "حسن يوسف"، والنواب المختطفين؛ واجبنا أن نبرز أدوار كافة الأسرى، الذين قدَّموا حريتهم، وهي أغلى ما يملكون، من أجل حرية شعبهم ووطنهم، ونطالب بتطبيق اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949، بحق الأسرى الفلسطينيين، باعتبارهم أسرى حرب.
لنوثِّق حكايات الأسرى، كل على حدة،
لنوثِّق حكايات عائلات الأسرى، كل عائلة على حدة،
ولنقصّ هذه الحكايات بأشكال القص المتنوِّعة.
لنبرز معاناتهم، التي لا يحتملها بشر، ولنبرز صمودهم. لنبرز لحظات ضعفهم وقوتهم، في الوقت ذاته، ولنترجم هذه الشهادات إلى لغات الأرض.
علَّنا نرجّ الأرض،
علَّ الضمائر تصحو.