تبدو صورة الفصائل الفلسطينية, المنضوية تحت ما يسمى منظمة "التحرير" الفلسطينية, وموقفها السياسي المفترض انه يشكل صمام الأمان, للحالة الفلسطينية كحركة تحرر وطني, اقرب للغموض والأحجية التي يصعب فك لغزها, مع المنعطفات الخطيرة, التي دأبت على إطلاق هذا التعبير عبر مسيرة القضية الفلسطينية وحركة التحرر الفلسطيني, منذ انطلاق العمل الوطني الفلسطيني ممثل بفصائل منظمة "التحرير", ووصولا إلى اتفاق أوسلو, الذي بموجبه تحول معه النضال الفصائلي تحت عباءة "السلطة الفلسطينية" والمحاصصة توزيرا وتوظيفا ضمن دوائر السلطة, واعتمادات مالية, وظفت على أنها انجازات حققتها فصائل المنظمة ضمن حركتها "التحررية".
ومع كثرة الفذلكة السياسية, تحليلا وتنظيرا, لجوانب الأزمة التي تعيشها فصائل المنظمة المأزومة والمنفصمة في مواقفها السياسية والتنظيمية, تبرز إشكالية الدور المناط بها والمسؤولية, التي كانت تاريخية في السابق, وأصبحت, عاجزة في الوقت الحالي عن صياغة برنامج واستراتيجيا, تقود إلى تصويب النضال الفلسطيني مع عملية الارتهان الكلي, للمال السياسي المتدفق, من سلطة تدعي الفصائل انها تعارض سياساتها, لكنها لا تستطيع الانفصال او الطلاق منها حتى لو تعلق الأمر بمصير وطن وشعب, تدعي انها تمثل حركته "التحررية" من الاحتلال مع ملاحظة ان أسماءها الشهيرة يليها شعار "لتحرير" فلسطين.
وإذا أخذنا مثل الجبهة الشعبية, ولماذا الشعبية دون غيرها؟ سيقول سائل: نجيب لان الجبهة الشعبية شكلت في الوعي الجماهيري الفلسطيني والعربي في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي, منذ مطلع الخمسينات وتشكيل حركة القوميين العرب, ومن ثم انطلاق الجبهة الشعبية من رحمها, لترد على كل الأسئلة المطروحة في فهم وادارة الصراع مع العدو الصهيوني, وتشكل جبهة ممانعة ضد كل مشاريع التفريط بالقضية الفلسطينية, لمحاربة سياسة التنازلات السياسية, مع طرح البرنامج المرحلي والنقاط العشر, لتشكل فيما بعد جبهة الرفض الفلسطينية, فاذا ما قسنا مواقف جبهة الرفض على مواقف سياسية آنذاك, وما يحاك اليوم امام ناظري الجبهة الشعبية وغيرها من فصائل المنظمة, نجد ان الحالة الفلسطينية اليوم لا تحتاج الى غموض ومشاركة احيانا بصمت و عن قصد وترصد في تردي وترهل النضال الفلسطيني الى مستويات منحدرة, تجعل من الاسئلة التاريخية الملقاة امام فصائل المنظمة والشعب لا تجد لها اجوبة, طالما استمرأت حالة العجز والارتهان, للمال السياسي المفضوح, وهذا يقود لتساؤل مشروع من الشارع الفلسطيني غير المرتبك في تحليله لظاهرة عقد الاجتماعات المناهضة لسلوك السلطة واداء المنظمة في قيادة الشعب الفلسطيني, عبر الاكتفاء باصدار البيانات بعد الاجتماعات وإرسالها لوكالات الأنباء لتكتب على شريط القنوات الفضائية, بينما انفصام المواقف في اللجنة التنفيذية عبر ممثلي الفصائل التي تعقد اجتماعات خارج رام الله, وتكون مواقفها نارية في البيانات, أما ممثليها في اللجنة التنفيذية, يعتي ممثلي المال السياسي, غير قادرين إلا على الصمت المريب, للحفاظ على انتفاخ الجيوب وتضخم الرقاب, والبطون اخر كل شهر ونهاية كل يوم, يصدر معه بيانا للرفض, واضعة قدما في موقع المعارضة والراس والجيب تحت امرة السلطة في رام الله.
يقول ممثل الجبهة الشعبية في الخارج د. ماهر الطاهر: "ان الجبهة الشعبية تدرس امكانية الانسحاب من اللجنة التنفيذية, وان وجودها ينبع من الحرص على المنظمة الذي لا يمنع طرح المواقف المعارضة"، في مقابلة مع صحيفة الوطن السورية 9 آب.
ونائب الأمين العام للجبهة الشعبية عبد الرحيم ملوح في تصريح متلفز في اليوم ذاته يقول أن تنفيذية المنظمة, أخذت قرارا بالمضي نحو المفاوضات المباشرة في خطوة مغايرة لتوجه الأعضاء في المنظمة, وان هناك لبس في عملية التصويت.
ونحن بسؤالنا البسيط, نتوجه إلى فصيل, ثوري طليعي جماهيري, كان في احد ايام التاريخ يحمل هذه الصفات والمعاني التي تتولد منها, هل الاكتشاف الذي يقدمه نائب الأمين العام للجبهة عن تنفيذية المنظمة جديد؟ وهل دراسة الموقف المقدم من د. ماهر الطاهر للانسحاب من المنظمة نابعة من الحرص على الموقف الوطني والسياسي المفترض ان تتحمله الجبهة الشعبية؟ بينما الأصوات بحت والشواهد أغرقت العيون من تمثيلية المنظمة ودورها في عملية إقصاء الشعب الفلسطيني, الذي من المفترض أن المنظمة تمثل رأيه, بينما تحولت المنظمة الى ذراع من اذرع السلطة لفلسطينية, التي تشكل عباءة لها في إدارة المفاوضات, والتي حولت الفصائل المنضوية تحتها الى شاهد زور يكتفي, بالتحفظ على قرارات تعني بمصير الوطن والشعب, ومنددة وشاجبة في أحسن أحوالهاحتى يشعر المواطن الفلسطيني, بتقاسم الأدوار المرسومة لها بين المنظمة والفصائل والسلطة, حين يتعلق الأمر, بأداء وسلوك السلطة التي تدير المنظمة, وفي الحقيقة من المفترض أن تكون السلطة أداة بيد المنظمة.
لكن حالة الفساد السياسي والمالي التي نخرت العمل الفصائلي, تجعل من شخوص ومفردات النضال "لحركة التحرر الفلسطيني" تدخل في عملية تواطؤ كبرى في زيف الادعاءات والشعارات, المتصلة بمقاومة سياسة التنازل والتفريط بالحق الفلسطيني في لعبة المفاوضات, وبالتغطية الفصائلية المتحفظة والصامتة, والقابضة ثمنا, لوطن يباع ويشترى في سوق المفاوضات.
وإذا أخذنا الموقف الأخير, للجبهة الشعبية من المفاوضات المباشرة, وهيمنة السلطة على المنظمة لتمرير المواقف, ولعبة التنديد بالمواقف الرسمية للسلطة بينما اليد ممدودة, آخر الشهر لتقبض ثمن الرتبة وراتب تقايض به موقفها المنفصم بين رام الله وغزة, وممثلها في الخارج, وبالعودة للموقف السياسي الذي انسحبت منه الجبهة الشعبية وتشكيل جبهة الرفض, نجد انه كان يشكل أهمية اقل مع ما يجري اليوم, الذي ليس بحاجة إلى تشكيل جبهة رفض وانسحابا من اللجنة التنفيذية, لنسال أخيرا موقف فصائل العمل الثوري النضالي, عن التنسيق الأمني وإدارة المفاوضات مع العدو بهذا الشكل الخاضع وتدمير ما يتصل بمحتوى وتسمية ووجود الفصائل بعينها الأرض؟ هل هو بحاجة لدراسة الانسحاب أم العمل بالعودة إلى روح واصل المواجهة مع المشروع الصهيوني, والاكتفاء بغموض الموقف لن ينتج إلا وضوحا لدى الجماهير التي كانت تدعي فصائلها ان لها قدرة على قراءة الواقع وامتلاكها مخزون المواجهة أكثر من القيادات المهيمنة والمتنفذة كما كانت التسمية اليسارية "للقيادة اليمينية", وتراكم المواقف من سلطة فلسطينية بتركيبتها الحالية ومنظمة مخطوفة بيدها نعتقد انها بحاجة إلى آلاف المواقف ليس انسحابا منها فقط.