في يوم الثلاثاء التاسع من آب كان علي اختيار المشاركة في واحد من حدثين تزامنا، الأول: استقبال جثمان الشهيد الأسير في مقابر الأرقام مشهور العاروري عند حاجز رنتيس، والثاني: المشاركة في اعتصام على المنارة للتعبير عن الرفض للمفاوضات المباشرة والادعاء بالذهاب اليها استجابة للضغوط الخارجية. لكن الترتيب الزمني اتاح لي كما للكثيرين المشاركة في كليهما، الاعتصام على المنارة ثم انتظار وصول الجثمان والمشاركة في استقباله هناك عقب انتهاء الاعتصام.
نقلة كبرى في الأفكار والمشاعر والأحاسيس حصلت بين الحدثين، بين غضب على حال المستجيبين "للضغوط" من اجل الاستمرار في "الحياة مفاوضات" رغم اعترافهم انفسهم بتبدد اوهامهم بالوصول لحل ممكن حتى وفق شروط الحد الأدنى خاصتهم، وبين فرح لنصر حققه شعبنا عبر مجهودات الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء بتحرير أول أسير من مقابر الأرقام، ولكن هل نفرح لاستقبال جثمان شهيد بعد أسر استمر اكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً، أم نحزن لاستشهاده؟ أم نبكي حالنا عندما نقارن بين واقعنا عندما نفذ الشهيد العاروري ورفاقه عمليتهم العسكرية انتقاماً لاستشهاد لينا النابلسي ابان احداث يوم الأرض الخالد عام 1976 عندما هب شعبنا للدفاع عن أرضه في وجه قرار كان يقضم جزء يسيراً منها في مناطق الجليل، وبين واقعنا الراهن ونحن ننظر بلامبالاة ودون تحريك ساكن فيما تصادر وتهود ارضنا بالجملة في كل مكان.
وفيما تتفاعل هذه (الخلطة) من الأفكار والمشاعر جائني صوت شجي ليزيدها تعقيدا، اقتربت مني ريما نزال هامسة في اذني "أتعتقد ان ما يحصل يجب ان يدفعنا لطلب احضار جثمان خالد (الشهيد خالد نزال زوج ريما وابن عمومتي) لدفنه هنا في الوطن؟" فاجئتني هذه المداخلة وزادت خربطات مشاعري وقلبت كل تفكيري باتجاهات مختلفة حتى انني قطعت مشاركتي بالمسيرة عند منتصف الطريق الى مستشفى رام الله، وعدت الى مكتبي لمزيد من التأمل والتفكير.
مشهور، واحد من بين نحو ثلاثمائة واربعون شهيدا أسير في مقابر الأرقام حرموا من اسمائهم صحيح، ولكنهم مدفونين هنا في وطنهم المحتل، أما خالد وهو واحد من عشرات الأقارب والأصدقاء والمعارف وواحد من آلاف الشهداء الفلسطينيين اسمائهم تزين قبروهم صحيح، ولكن الاحتلال لا زال يعاقبهم حتى وهم امواتاً، ويحرمهم وذويهم من ابسط الحقوق الانسانية، ان يكونوا امواتاً قرب ذويهم وبين مقابر اقربائهم.
تذكرت ايضاً وعداً قطعه المرحوم صخر حبش على نفسه نيابة عن القوى الوطنية عند دفن الشهيد ابو علي مصطفى في البيره في خضم الانتفاضة الثانية حين كانت السبل مقطعة بين مدينة وأخرى، وعد ابو نزار المشيعين "بان يتم نقل الجثمان الى عرابة مسقط رأس الشهيد ابو علي عندما تحين الظروف" أتساءل هل حانت هذه الظروف الآن؟ هل آن آوان الاهتمام بأماكن دفن شهدائنا؟ هل هذه صحوة لتكريم الشهداء والدفاع عن حقنا وحق ذوي الشهداء الانساني والاخلاقي بدفنهم بكرامة حيث ذويهم ووطنهم؟ أم هي افلاس من تحقيق انجازات أهم عجزنا عنها فلجأنا للأسهل لادعاء البطولة؟!
ليس لدي جواب..!!