غيب الموت علمين ورمزين ثقافيين خليجيين لهما باعهما الطويل في الشعر والأدب والثقافة والرواية وواجها الحياة الفكرية والسياسية والثقافية بكل ثقة وتفاؤل وخاض كل منهما في كل جبهة معارك ثقافية لا تنقطع الا لتستأنف من جديد بصور واشكال لا حصر لها وهي جبهة التدريس في المدارس وفي الجامعات وفي الفكر العربي والاسلامي والتراث، وهما يبحثان عن صيغة للمواءمة بين التراث وبين مقتضيات الحداثة والتحديث في زمن جديد اتسم بثورات عديدة في المعرفة والسياسة وجبهة ثورة الاتصالات.
هذان الرمزان والعلمان العربيان هما: الدكتور غازي القصيبي وزير العمل السعودي والاستاذ احمد السقاف الذي تسنم مناصب عديدة في وزارة الاعلام الكويتية وعمل على اثراء الحركة الادبية الكويتية بل العربية بنشاطه الثقافي البارز والمعروف على الساحة الخليجية.
فالشاعر القصيبي "70" عاما شاعر تقليدي له اسهامات كبيرة في الرواية والقصة مثل "شقة الحرية" و"دنسكو" وابو شلاخ البرماني والعصفورية وسعادة السفير و"الجنية" اما في الشعر فلديه دواوين "معركة بلا رواية" واشعار من "من جوائز اللؤلؤ" و"للشهداء" و"حديقة الغروب" كما له اسهامات صحافية متنوعة اشهرها سلسلة مقالات في "عين العاصمة" التي نشرت في جريدة الشرق الاوسط ابان حرب الخليج الثانية وله مؤلفات عديدة في التنمية و"الاسئلة الكبرى".
لقد التقيته في الكويت في الثمانينيات وكان يحل ضيفا على رابطة الكتاب والادباء الكويتية بحضور زميلي الراحلين الاديب عبدالله الشيشي ، ورئيس الرابطة الكويتية خالد الزيد.. وسألته كيف ترى حل القضية الفلسطينية وهل هناك حل في نظر الشاعر الموهوب؟ اجابني ابو سهيل بصراحته المعهودة "القضية الفلسطينية معقدة للغاية.. ولا ارى حلا الا بتضامن الامة ونهوضها من وعكتها.. فالقضية يجب ان تتضافر الجهود العربية والاسلامية لحلها.. ويُزال هذا لكابوس عن فلسطين وتقام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس".. وتساءل ابو سهيل قائلا "هل من المعقول ان 340 ميلون نسمة عربيا لا يستطيعون مقاومة الاسرائيلي ولا يستطيع زعماؤنا الضغط على الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي - آنذاك - واوروبا من اجل انهاء هذا الاحتلال الذي لم يوجد له مثيل في العالم.. احتلال عنصري وفاشي وشوفيني وعرقي"..
لقد آن الاوان للعرب ان يتحركوا ويدركوا خطورة هذا الموقف الاسرائيلي وعدم الرضوخ للاملاءات الامريكية التي ستظل سيفا مسلطا على امتينا العربية والاسلامية.
لقد ارتأى الشاعر الراحل غازي القصيبي التي فاقت مؤلفاته الستين ان يمارس من خلال دواوينه ومشاريعه الادبية والفكرية سواء في المستوى الوطني او في المستوى القومي او في المستويات الاخرى الكثير من الاعمال والانجازات معتمدا في ذلك على البعد النقدي والرؤية التاريخية اثناء مواجهته للاشكالات التي يطرحها قضاء العمل السياسي في هذا العالم المتغير حيث حرص راحلنا "ابو سهيل" الذي يتسم بالصراحة والموضوعية والغزارة في الشعر والادب والرواية على تحديد اولويات ومبادىء عامة صانعة لجوانب عديدة من هذه الرؤى الفكرية التي خاضها خلال العقود السبعة التي عاشها، بكل حماسة وبصبر ليستوعبها نفس طويل واستماتة نادرة نحو الدفاع عن العقلانية والواقعية والتراث ونقد الآليات لعمل العقل العربي والدفاع عن حقوق المرأة والحرية والحداثة السياسية.
اشتهر ابو سهيل كما عرفته بخصلة التواضع وبمناقب المحبة الجمة لاصدقائه ورؤيته العربية الواحدة والموحدة في معالجة بعض المظاهر النفسية والاجتماعية وذلك من اجل بناء وعي جديد يروم اولا واخيرا الى توسيع مجالات العقلانية والفكر التاريخي في الثقافة العربية المعاصرة ولعل على المستوى الروائي فانه يعتبر من شهر الروائيين العرب حيث يُجمًع الادباء والمثقفون على ان روايتي "سعة الحرية والعصفورية" هما اهم وافضل واشهر ما كتبه القصيبي في حين احتفظ ديوانه بلا راية بمرتبته المتقدمة بين دواوين الشعر وانشغل القصيبي في معاركه لفترة بين بعض الصحويين وبعض الرافضين للتجديد ما ادت الى خلافات واختلافات في حياته.. ووصل الاحتدام الى مراحل متقدمة من الطعن في الراحل الكبير عبر المنشورات والمنابر واشرطة الكاسيت فأصدر غازي حينها كتابا "حتى لى تكون فتنة" وهو بمثابة الرسالة التي يوجهها نحو من جعلوا انفسهم خصوما له واشهرهم ناصر العمر وسلمان العودة وانتهت المرحلة بسلام.. ويستشهد الراحل الكبير بهذه الخلافات والاختلافات بالاديب السوري محمد الماغوط حيث يقول "ما من موهبة تمر بدون عقاب" ويضيف عليها "وما من موقف يمر بدون ثمن".
اما الشاعر والاديب والسياسي الكويتي احمد السقاف الذي شغل منصب وكيل وزارة الاعلام الكويتية لسنوات طويلة بدعم من الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح وزير الاعلام الارشاد انذاك فكان كاتبا واديبا وشاعرا ودبلوماسيا كبيرا امضى حياته التسعين وهي تزخر بالفكر والثقافة والتدريس والترحال في حياة الكويت الثقافية بصفة خاصة والوطن العربي بصفة عامة لقد كان احمد السقاف الذي ولد في عام 1919 في جنوب الجزيرة العربية -احد اهم رواد النهضة الفكرية في الكويت الى جانب الراحل الاستاذ عبدالعزيز حسين ودرس دراسة عربية ودينية وعين عضوا منتدبا للهيئة العامة للجنوب والخليج العربي وتقاعد عام 1995 .
اصدر ابو اسامة اول مجلة تصدر في الكويت وهي مجلة "كاظمة" في عام 1948 وفي عام 1952 تولى رئاسة تحرير مجلة "الايمان" وانشأ مع رفاق له عام 1952 النادي الثقافي القومي حيث كانت الحركة الثقافية والادبية والشعرية تنطلق من الكويت لما تتمتع به من حرية وديمقراطية منذ القدم.
للسقاف روح وطنية وقومية كبيرة عرفته من خلال ترددي على وزارة الاعلام الكويتية عندما كنت اعمل مديرا لتحرير جريدة "الرأي العام" الكويتية لانه صديق للصحافة والصحافيين وسعى لدعم الاعلام الكويتي بشتى الوسائل واسهم في النهضة الادبية الخليجية بشكل ملموس حيث قال عنه الفيلسوف الفرنسي جان جينون في كتابه "همسات الروح" اسهم السقاف بشكل كبير في نشر الثقافة والمعرفة ليس في الكويت فحسب وانما في الاقطار العربية من خلال مركزه في دائرة المطبوعات والنشر قبل استقلال الكويت حيث عين بعد ذلك وكيلا للوزارة.. وفي وزارة الارشاد استقر الرأي على اصدار شهرية ثقافية ضخمة تقدم الى جميع القراء العرب في سائر اقطارهم وصدر التكليف من رئيس دائرة المطبوعات آنذاك الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح "امير الكويت الآن" بالسفر الى الاقطار العربية للتعاقد مع من يختارهم لهذه المهمة.. وتم ذلك وفي مصر وجد احمد السقاف من يبحث عنهم وكان في مقدمتهم الدكتور احمد زكي الذي رأس تحرير "مجلة العربي" الى جانب بعض الاعلاميين والفنيين.
ونحن نفتقد الى هذين العلمين المثقفين في الوطن العربي فان ابرز ما حققاه لأمتنا الكثير من الثقافة والمعرفة وحسن الاطلاع لأنهما يمثلان طرازا خاصا وشغلا الناس دون ضجيج ودون مصالح انانية ودون ربح مادي مباشر فقد كان الرجلان الشاعران والاديبان "رجلا" المبادىء والقيم والنزاهة والاستقامة والمسؤولية.
فالى جنات الخلد يا ابا سهيل ويا ابا اسامة.
سيذكركما التاريخ بحضوركما الاكاديمي والتربوي بالاشعاع والانتاج المتواصل الذي سيظل خالدا على مر الاجيال.
* رئيس تحرير جريدة الكاتب العربي، الأُردنية. - abdqaq@wanadoo.jo