مثل رجل مقيد بالسلاسل، وبشروط الإذعان الثقيلة المهينة، يمضي المفاوض الفلسطيني، إلى تيه وعوسج وانزلاقات المفاوضات المباشرة، تحت إشراف "الكاوبوي الأسمر" الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما، وبمشاركة رئيس وملك عربيين وبغطاء تذللي يهدف إلى التغطية على الخطط والمشاريع الصهيونية الأمريكية الرامية إلى تجهيز ضربات أحقادها، ضد ركائز المقاومة والصمود في لبنان وسوريا وإيران وغزة، ضد كل من يضع ساعات ومواقيت العناد والممانعة العربية الإسلامية، في طرقات الزمن الذئبي العدواني الاستغلالي الاحتلالي الوحشي.
ليست هذه حركة "فتح" التي استشهد رئيسها مسموما.. بل هي حالة اغتصاب للمبادئ والثوابت الوطنية، لسجلات الشرف الثوري.. لدماء الشهداء الأبرار.. وجريمة اغتصاب لجسد المسيرة الصعبة المثخن بالجراح، النازف بفعل طعنات المساومة والتنازل والتخاذل.
ليست هذه السلطة كما كان يريدها الشهيد الرمز الكياني "ياسر عرفات" الذي جرب التفاوض ودفع دمه ثمن صلابته وتمسكه بالثوابت الفلسطينية، ومات محذرا من "التفريطيين الجدد".
بكامل وهنه وعجزه وتخبطه، يُرفع المفاوض الفلسطيني إلى منصة المهرجان التفاوضي المباشر، يداه مقيدتان إلى وهمه، وإلى غيمة حجرية.. وخصمه فائض القوة، مسيطر على موازيين القوى، "مدعوم" من الحكم الأمريكي الذي يصفق لكل سقطة فلسطينية سلطوية، أما المفاوض الفلسطيني المطروح على الأرض، فلا حول له ولا فكرة، سوى عملية الاستمرار في الحكم والسيطرة على تقاليد العبث في البلاد.. والقبول بالأجندة الأمنية الإسرائيلية، كما يحددها المجرم "بنيامين نتنياهو".
إذا كانت معظم الفصائل الفلسطينية قد عبرت عن رفضها لعبثية هذه النزوع التفاوضي الرخيص، فما الذي تكسبه السلطة ورموزها من وراء هذه المشاركة، واهية التبريرات، بنتائجها التصفوية التي تمهد لمرحلة كابوسية، يدفع أثمانها القاسية جدا الشعب الفلسطيني وأجياله، و هي تزيد الانقسام انقساما.. وتتلطى خلف كل ما هو شرعي، لتنال شرعية البقاء، بأي ثمن، في سلطة تقبض أثمان وجودها النفعي الطاووسي من أعداء شعبنا وأمتنا المستهدفة من المحيط إلى الخليج؟
هذا أوباما، الرئيس الأمريكي، الذي اتضح أن جزر وعوده و تصريحاته، نسفت مد كلماته وخطاباته التخديرية.. لكن الجسوم التي اعتادت على التخدير لن تحفل بكل أركان العزة والسيادة والعودة والاستقلال والقدس العاصمة، ما دام لا شيء يعصمها عن توجهات نهجها الرافض و المشكك بالمقاومة، الذي كان من الطبيعي و الحتمي أن يفضي ويقود إلى هذه الكوارث التفاوضية، التي تخدم الصهاينة و حكومتهم، لتتفرغ إلى اقتحام منعة المحاور الإقليمية والقومية والوطنية الصابرة.
لقد أشهر أوباما استسلامه، أمام الملاكم الصهيوني..فسقط فوق "الملاكم" العاجز المقيد الفلسطيني السلطوي الذي استسلم بدوره للطرفين الأمريكي والإسرائيلي..، لكن حلبات أخرى للصراع تجعل الأمريكي في غزواته القادمة ينهض ويقف على أقدام جبروته، مستعدا لتوجيه ضربة قاضية مزدوجة للمشروع الوطني الفلسطيني التاريخي ولمجمل التطلعات العربية والإسلامية في النهوض والتقدم و التخلص من وضعية العبد، وصولا إلى وضع السيد المسيطر على ثرواته و قراراته السيادية. وهذا ما لا تريده معظم أنظمة الرسميين العرب التي تتحرق إلى التطبيع مع العدو، بعد أن تتم عملية تكبيل الفلسطيني إلى حائط اليأس.
فئة محدودة، من شخصيات السلطة، تسعى إلى هذه المفاوضات، فاقدة المرجعية، مشبوهة التوقيت، مكبلة باشتراطات الصهاينة وحكومتهم المتطرفة، الرافضة لوقف الاستيطان، الساعية إلى تهويد القدس وتغيير الوقائع على الأرض بحيث يصبح الحديث عن دولة فلسطينية، و هي منزوعة السلاح، ممزقة الأجزاء، فاقدة المواصفات التحررية، الكيانية.. مجرد تقطيع وقت توطئة لقطع أشجار الكرامة، ليس في لبنان المقاومة فقط، بل في كل قطر عربي وإسلامي ينادي بالمقاومة ويدعو إلى طرد المحتلين واستعادة كل الأرض العربية المحتلة.
لا تفاوض..يا أبا مازن..لأن الشعب الفلسطيني مهتم بوحدة فصائله وبإنهاء حالة التشرذم بين حكومتين متناحرتين متخاصمتين أكثر بكثير من انشغاله بمفاوضات مباشرة، تغني العدو وإتباعه، وتسمن وحوشه وسوائب مستوطنيه وبعض كروش القضية المؤودة.
لا تفاوض.. لأن معظم قطاعات وفئات وشرائح وتنظيمات الشعب الفلسطيني، في الوطن والشتات، تفضل خيار النضال، بكافة أشكاله، ورغم تكاليفه الباهظة ومكابداته المعروفة، على هذا الذل والهوان والتراجع واغتيال الهوية، بكافة الأشكال.