منذ بدأت الكتابة في امر المفاوضات، وفي جميع المقالات التي تناولت بها هذه المسألة كانت لدي فكرة مركزية، وهي ان العيب لايمكن ان يكون في مبدأ المفاوضات.. فجميع المشتبكين في صراع داخلي او اقليمي او دولي اما يتفاوضون او يعدون العدة للتفاوض، وان جميع الحروب كبيرة كانت ام صغيرة تنتهي الى مفاوضات ناجحة او متعثرة، ومن هنا يقال. ليس سياسيا واقعيا من يلغي من حساباته مبدأ التفاوض.. وانما السياسي الحقيقي من ينجح في التفاوض ببلوغ اهدافه المحددة.
ما هو الحال – على الجانب الفلسطيني؟!
دعونا نبتعد عن الجدل حول مبدأ التفاوض- لنتحدث عن المثالب والمزايا فمن هذه الزاوية يكون حوارنا مفيدا ومنتجا ولعلنا من خلاله نتجنب مزيدا من الانقسامات والتوترات وما يمكن ان يسمى بحوار الطرشان حول البديهيات..
ابدأ بالمزايا.. لا مناص من التسليم بميزة اساسية نستخلصها من قرار الذهاب الى المفاوضات.. بعد ما يربو على سنة ونصف من التمنع ووضع شروط بالجملة والتراجع عنها بالتقسيط.. هذه الميزة جسدتها الاستجابة للاجماع الدولي.. بالذهاب الى المفاوضات.. وهذا الاجماع لم يأتي كنصيحة وانما كضغط.. اذ ليس من قبيل الصدفة ان يتعالى الحديث عن ازمة مالية خانقة تتأهب السلطة لمواجهتها مع اخر الشهر.. ومن اجل اعطاء الضغط مداه قيل ربما ليس هذا الشهر وانما الذي يليه!!
لذا شعر الناس او معظمهم بأن قوت يومهم بات مهددا بالانقطاع.. فتجاوزوا مخاوفهم من المفاوضات واحتمالاتها السلبية.. لمصلحة ما هو اكثر قربا، اي احتمال العودة الى ازمات مالية جربت في السابق حين لم يقبض الموظف الفلسطيني راتبه لعدة شهور!!
ومع ان هذه التي اعتبرها ميزة.. تبدو اشكالية وغير متفق على توصيفي لها.. الا انها الحجة الوحيدة التي يوردها أنصار الذهاب الى المفاوضات المباشرة.. لتبرير تحمسهم واظهار سداد توجههم.
غير ان هذه الميزة تواجهها تحديات كثيرة.. وبالامكان ايرادها كعناويين لكثرتها وقلة المدى المتاح للتوسع في تحليلها.
اولها: ان ما حدث يبرهن عن طراوة عود صانع السياسية الفلسطينية اذ بات الضغط الاقليمي والدولي مهما كان حجمه هو المبرر الكافي للاقدام على التنازلات، وهنا لم يكن التنازل هو قبول العودة للمفاوضات.. وانما التراجع عن الشروط التي وضعت من اجل ذلك..
ثانيها.. ان درجة التعويل على الغطاء العربي بدت قوية وحاسمة رغم ان الواقع العربي لا يشجع ذلك بل هو من يعلن بالوقائع عدم جدوى التعويل عليه..
واذا كان اقصى ما يريده المفاوض الفلسطيني من الدول العربية هو مجرد غطاء.. فليأخذه ولنرى كيف سيستخدمه.. فلن يضير العرب تقديم ما يطلبه الفلسطينيون ولكن سوف يضر الفلسطينيين كثيرا.. ان ينادوا ذات يوم في امر اساسي ولا يجدون من يجيب، وان اجابوا فبصورة شكلية لاتقدم ولا تؤخر إلا على صعيد تقديم الغطاء ليس الا..
ثالثها: رؤية امريكا وقدراتها.. لقد بدا واضحا ان قرار التراجع عن الطلبات العادلة التي قدمها الفلسطينيون كشروط للذهاب الى المفاوضات كان بضغط امريكي..
سبقه تشجيع امريكي متسرع وهنا ظهرت حكاية من صعد الى اعلى الشجرة.. ومن نزل عنها، ولا لزوم لاعادة الحديث في هذا الامر ان هذه الحفلة الامريكية اظهرت ان المبالغة في تعليق الامال على الدولة العظمى.. له ثمن باهظ ذلك ان احدا لا ينكر اهمية امريكا، وقوة قدراتها فهي الدولة العظمى الاولى في العالم دون جدال، غير ان قدرات هذه الدولة العظمى ليست بالضرورة مجال استثمار سهل من جانب مفاوض فلسطيني ساذج.. يوظفها حيث يريد ويبني عليها الامال حيث يتخيل!
لقد رفعت امريكا كثيرين الى قمم الاشجار العالية ونزلت وتركتهم ومنهم من مات حرا او بردا ومنهم من قفز فانكسرت رقبته وعلينا ان نفكر اي مصير من هذا ينتظرنا!
رابعها: الوضع الداخلي الفلسطيني، وهنا فان ما يمكن بلوغه تحت ضغط الحاجة.. هو التراجع المستمر فدائما نحن بحاجة الى العالم.. ودائما سيجد العالم ما يضغط علينا به فنحن نعيش تقريبا على الهبات بنسبة تسعين بالمائة.. وحين نقر بمبدأ الاذعان لأول ضغط يصبح ممكنا قراءة نهاية الصفحة من السطر الاول في بدايتها وهنا يوجه اللوم للقيادة الفلسطينية التي لم تنظم وتهيئ وضعها الداخلي للصمود في وجه الضغط.. خاصة وان الفلسطينيين الذين تقترح عليهم الصمود هم الاكثر اعتدالا في اللعبة السياسية من غيرهم.. فانا هنا لا اعني موقف "حماس" ولا الشعبية وانما موقف اكثر الفلسطينيين مرونة منذ بداية العملية السياسية حتى يومنا هذا.. ان الفلسطينيين اختاروا طريق الحل السياسي الا انهم يجدون انفسهم الان على طريق آخر.. من شأنه تفكيك بنيتهم فوق ما هي مفككة، وتقويض ارصدتهم التي تم العبث بها طويلا واخيرا القبول على مضض لصيغة حل يفرضها الطرف الاقوى وما يقبل على مضض لا يعمر طويلا..
خامسها: اسرائيل
لقد صرخنا من الضغط الدولي وحتى الان لم تمارس اسرائيل كل ضغطها علينا فما الذي سنفعله حين تخرج اسرائيل ما في جعبتها من قدرات وامكانات ضغط ما تزال مخبوءه.
ان اسرائيل تأتي للمفاوضات المباشرة مسلحة بانجاز اهدته لها القيادة الفلسطينية دون مقابل، اذ بوسع نتنياهو القول انني ارغمت اوباما على تغيير سياسته وارغمت القيادة الفلسطينية على القدوم الى المفاوضات دون قيد او شرط، ولا شأن لي بالقشة التي يحاولون ستر انفسهم بها وهي بيان الرباعية ذو الصبغة الانشائية، هذا ونحن لم نبدأ بعد.. فكيف سيكون الحال حين نتوغل!!
هذه ما اراها تحديات يجدر الانتباه لها وانصح بالابتعاد عن الجدل حول المفاوضات من منطلق انها مشروعة او محرمة من حيث المبدأ ذلك يصح لو ان المفاوضات هدف بحد ذاته اما حين تكون وسيلة لتحقيق هدف وهي كذلك بالفعل فلا مناص من دراسة التحديات قبل المزايا لاننا في قلب لعبة جهنمية طرفها المقابل اسرائيل، وليس عمرو موسى او طوني بلير...