على الرغم من التغني صباح مساء بأولوية موضوع الأسرى؛ لم أتلق سوى رسائل معدودة، تعقِّب على مقالتيّ المتعلِّقتين بأسرى الحريةَ: "الحرية لأسرى الحرية وعائلاتهم: أمام كل أسير حرية امرأة مناضلة وعائلة صلبة"، و"مقاومة الاعتقال: انتصار للحياة والمقاومة والحرية".
تساءل بعض المهتمين/ات عن دار النشر التي أصدرت كتاب "مقاومة الاعتقال"، رغبة باقتناء نسخة منه، وعبَّر البعض الآخر عن التقدير العظيم لصمود مناضلينا في السجون.
أما جلّ الرسائل فقد كانت من ذوي الأسرى؛ الأمر الذي زادني اقتناعاً بأولوية سرد حكاياتهم، وإلقاء الضوء على معاناتهم اليومية. لمست احتياجهم إلى خطاب يهدف إلى حل مشكلاتهم، أكثر من احتياجهم إلى خطاب يكتفي بتمجيد بطولاتهم وصمودهم الأسطوري.
أستضيف اليوم ضمن "مساحة للحوار"، السيدة جيهان شقور، زوجة الأسير وسام علي راضي، الذي اعتقل يوم 22 أيار 2005، في رام الله.
"مقاومة الاعتقال". استوقفني العنوان في جريدة الأيام؛ كوني زوجة أحد الأسرى الذي أتم عامه الخامس في الأسر، ولا يزال على دفة المحاكم العسكرية.
اعتقل زوجي في 22\5\2005، تاركاً وراءه طفلين، لم يتجاوز عمر الكبير الثلاث سنوات ونصف، والبنت 22 شهراً، في بيت مستأجر.
خرجت للعمل في القطاع الخاص؛ أملاَ في دفع أتعاب المحاماة التي تجاوزت الخمسة عشر ألف دولار، وبناء بيت لعائلتي يكون ملاذهم الآمن: فهل هذه جريمة ارتكبتها في حق نفسي أو عائلتي التي أردت أن أضعها على المسار الصحيح، قبل دخول أبنائي المدارس؛ لأتفرغ لرعايتهم، وأدعم زوجي، وأخفف من أعباء الحياة القاسية عليه؟!
لقد نالت حكاية صمودي وإنجازي اعجاب الكثيرين ممن عرفوني؛ لأني رفضت الانكسار والانحناء أمام مشكلة هي عامة وشائعة في مجتمعنا. لم أقف لأستجدي أحداً؛ قررت العمل. وأتساءل: هل العمل جريمة يعاقب عليها في بلادنا؟
وبدعم أحد الأصدقاء بدأت المشوار، كان شخصاً يعرفه الآلاف, أخا عزيزاً وأباً حامياً، وكنت أنا صاحبة الأداء المميز والمعاملة الرحيمة لكل من عرفني من مرضاي.
عندما تقف صلباً في وجه التحديات؛ تتوجه إليك الانظار ويعاديك البعض؛ وإن كنت ضعيفا مهزوماً؛ أحبوك وتعاطفوا مع انكسارك.
بدأت المضايقة في مكان عملي الأساسي (وحدة القسطرة)، مكان قضيت فيه ثلث عمري تقريباً، لم أبخل عليه لا بالأداء ولا بالعمل, كنت حاضرة أيام الاجتياح، حتى أيام الثلوج، مع ان ابنتي كانت رضيعة .تم إقصائي عن مكان عملي، دون وجه حق، ودون إبداء أسباب واضحة، رغم نجاحي، وتعلق مرضاي بي. كانت صدمتي الأولى، ولم تكن إلاّ بداية المعاناة. وحين سألت لماذا؟ قيل لي: ننصحك بتقبل الأمور كما هي وعدم النقاش، أحسست انني شاة تساق للذبح وليس لها حول ولا قوة. الكبار يقررون والصغار يموتون بصمتهم.
ضيَّقوا الخناق عليّ حتى أرغمت على مغادرة مكان عمل قضيت فيه عشر سنوات. غادرت بلا ذنب اقترفته ولا جريمة ارتكبتها، غادرت فقط لأن أناساً ماتت في داخلهم أدنى قيم الرحمة والأخلاق المهنية.
ومن ثم خرجت إلى أقسام أخرى، لم أستطع التأقلم مع ظروف العمل في هذه الأقسام، وذلك لوجود ساعات دوام مسائية وليلية، فكيف لي أن أترك طفليّ وحدهما في المنزل؟! وتعالت استغاثاتي بطلب المساعدة، وتفهم حقيقة وضعي؟
فكان السؤال الأول: كيف كنت تعملين بالسابق في أماكن أخرى؟ فأجبت وشرحت, وأطلت الشرح عن أسباب عملي ودوافعه وما ترتب عليه من تعب ومشقة، وفي الوقت الذي كان العمل الإضافي هو مخرجي الوحيد لتأمين العيش الكريم، والخروج من المأزق المادي الذي كدت ان أخسر فيه بيتي، وأعجز عن تقديم العون لزوجي الأسير.
تعللوا بالقوانين! أية قوانين هذه التي لا تعرف الرحمة لحالات إنسانية تستدعي الوقوف عندها والتي لم تتجاوز الخمس حالات؟! أنا واحدة منها، في مجمَّع يعمل فيه أكثر من 350 موظفاً؟!
أذكر من اقترح أن أترك العمل إن لم استطع التأقلم والالتزام بظروف العمل الجديدة، ووجَّه الي النصيحة بالانحناء امام العاصفة القوية.
ولم يكن أمامي سوى خياريْن: إما النقل الى قسم التعقيم (إعدام مهني تام)، أو العمل وفق قراراتهم الجديدة. منهم من راهن على حبي لأطفالي، وذكَّر أني تركتهم للعمل في مكان آخر وهم صغار. أشكره كثيراً؛ ولكن هل عرفت يوما أنت معنى الحب؟! ومعنى أن تضحِّي، حين توضع على المحك، أجبني ولا تتعجَّل، وأنا لست في عجلة من أمري، أستطيع الانتظار لأسمع الاجابة.
هم يريدون مجلس أمناء.. ميزانيات مستقلة.. مشاريع خاصة.. مراكز.. ألقاب.
نعم هؤلاء هم من دعوا الرئيس ورئيس الوزراء لافتتاح المجمع. حلم أردناه حقيقة، نخدم به كل الناس، الفقراء قبل الأغنياء، ودون تمييز، لنساعد ونعالج ونشعر بجراح قلوب مرضانا وآلام أرواحهم قبل أجسادهم.
إن استطاع كل من هو في موقع المسؤولية رؤية آلامي، أنا جيهان، التي أمضيت في مستشفى رام الله ثلاثة عشر عاماً، وآلام الممرض إياد، الذي اجريت له عمليتان في رأسه لاستئصال أورام، وهو أب لطفلتين مقعدتين عمرهما لم يتجاوز العشرة أعوام؟!.
أليس بالعمل نحيا وبالمحبة ودعم من هم حولنا؟! أم الأفضل أن أصبح متسولة كباقي المتسولين؟!
أقول لكم: "ان عشت فعش حراً أو مت وقوفا كالأشجار" .
لن أطلب العون الذي هو حق إلاّ من الله سبحانه عز وجل". جيهان شقور
كل ما تطلبه جيهان، أن يتمّ تقدير حالتها كزوجة أسير. لا تريد أن تترك عملها الذي تحبه، وتخلص له. هي تريد ألاّ يفرض عليها دوام مسائي، تقديراً لحالتها الخاصة، التي تستدعي وجودها بجانب أطفالها ساعات الليل.
أعتقد أن من حق زوجات الأسرى على المجتمع، أن تدرس أحوالهن بعناية، كل حالة على حدة، حتى يشعرن بالتقدير الذي يستحقينه.
آمل أن تصل صرخة جيهان إلى وزير الصحة، حتى يضع حداً لمعاناتها، ومعاناة أسرتها، ويتمّ التوصل إلى حل كريم يليق بها، وبزوجها/ أسير الحرية.
صحيح أن طريق الحرية مليىء بالأشواك؛ لكن الحرية لا تتجزأ.
* كاتبة وباحثة فلسطينية من مدينة نابلس. - faihaab@gmail.com